الشيخ محمد الصادقي
251
الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه
واما أن الجامد لا يأتي حالا ، فهو اجتهاد أدبي من استقراء ، ولا قرية أدبية أحرى من القرآن ، ولا يصح أو يحسن هنا « طينا » إلّا حالا « 1 » : خلقته طينا وخلقتني نارا والنار في أصلها وتبدلها التكامل خير من طين ، فلما ذا أسجد أنا النار لآدم الطين ؟ ! . وهنا لك آيات أخرى صريحة في القفزة الطينية لآدم ك « إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ » ( 3 : 59 ) ولزام الممثل به أن يكون أمثل وأفضل فيما يمثل ، ومادة المماثلة بين عيسى وآدم هي اختراق العادة في خلقهما فليكن آدم دون أبوين ليمثل به عيسى المخلوق من أم ، وليس ذلك إلا خلقه قفزة من تراب ، وأما الخلقة التكاملية فليست خارقة فلا مماثلة فضلا عن كون آدم أمثل ، فإنما « خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ » ( 55 : 14 ) وهل الفخار يصنع الفخار إلّا من طين ، فكذلك فخّار فخار الإنسان خلقه من طين . واما آية الاصطفاء « إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ » ( 3 : 33 ) فلا تدل على ما يهواه الهاوون الغاوون ، ان آدم أبا هذا البشر كان بين أوادم فاصطفاه ربه لإنسان البشر ، وجعله رسولا إليهم ، حيث الاصطفاء يكفيه انه كان بين حواء وسائر الجن والشياطين ، فاصطفاه رسولا إليهم بعد العصيان والتوبة والاهتداء : « وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى ، ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى » ( 30 : 122 ) .
--> ( 1 ) . فكونه مفعولا لخلقت وحيدا لا يصح حيث الصلة لا بد لها من ضمير إلى الموصول ، أو انه مفعول ثان أوله محذوف « خلقته طينا » هو عكس الواقع انه خلق طينا إياه ، لا خلقه طينا ، أو انه مفعول أول تأخر « خلقت طينا إياه » ولو أنه صحيح فغير فصيح ، أو ان « طينا » منصوب بنزع الخافض ، وهنا موضع اللبس فلا ينزع الخافض فإن نزعه يخلف النزاع . فلا مجال في أدب القرآن إلا كونه حالا .