الشيخ محمد الصادقي
136
الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه
موجودة فلا تنافي فنائهم بفناء النار ! . وقد يقال إن العصيان من حيث المعصي اللامحدود في العظمة والكمال لا حد له فجزاءه الوفاق أيضا لا حد له ! ولكنما العصيان له وجهات ثلاث : من حيث العاصي ، ظرفا ومحتدا عائقا ودافعا أم ماذا ومن حيث نفسه أثرا سيئا ، ومن حيث المعصي ، والمقياس في العقوبة إنما هو موقف العاصي بأثر عصيانه ، فإنه قضية العدل أن يعدل العصيان بالعاصي المتناهي لا المعصي غير المتناهي ، فان رعاية الضعيف فيما له مقاييس أولى من رعاية القوي ، على أن درجة المعصي ليست باختيار العاصي ولا انه يلاحظ ويواجه هذه الدرجة لكي تزيد في عقابه . ثم لو كان المقياس هو المعصي لا صبحت جميع المعاصي كبيرة دون أية صغيرة ، ولبطلت الحدود والديات والتعزيرات المقررة لحدود الجنايات ومواقف الجنات ، ولأصبح كافة العصاة مخلدين في النار أبدا على سواء . ثم إذا شككنا في المقياس فلا لنا أن نأخذ بالأشد عقوبة والقرآن يحدد العقوبات على قدر السيئات : « جَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها » ( 42 : 40 ) مماثلة بين نفس السيئة وجزاءها ، لا بين المعصي فيها وجزاءها ، وهذه المماثلة مستحيلة فان اللّه تعالى سرمدي وسرمدية العذاب مستحيلة وإن أمكنت أبديتها اللانهائية . كلّا ! وانما مماثلة بين السيئة والعقوبة : « وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ » ( 6 : 160 ) وما أظلمه من يقيس عصيانه بنفسه وهو أعلى دون العاصي وهو أدنى ! ثم الآيات في أن الجزاء هو العمل أو بما يعمل يحدد موقف العقوبة أنها على حد العمل لا المعصي : « إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ » ( 66 : 7 ) « هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ » ( 27 : 90 ) « هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِما كُنْتُمْ