الشيخ محمد الصادقي
83
الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه
فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 34 ) . تحاشى يوسف هنا أن يجاوبها والنسوة ، وانصرف إلى ربه ملتمسا داعيا أن يصرف عنه كيدهن ، ففي دوران أمره بين أن يصبوا إليهن أو أن يسجن ويكون من الصاغرين ، هو يستحب السجن دون صبو ولا صغار : « رب » الذي ربيتني وخلصتني حتى الآن من كل سوء وفحشاء « السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ » فذلك سجن للبدن حفاظا على حرية الروح في عبوديته ، وهذا سجن للروح ورقية للهوى وفيه حظوة الجنس وحرية الشهوات بضروبها ، ولكني رجل الروح قبل الجسم ، فما الجسم إلّا ليحمل الروح في صالحه . أتراه دعى على نفسه بالسجن وهو عار أن سبّبه التهمة ، ولا سبيل إليه إلّا هيه ؟ كلا ! وإنما هو بيان حال أن لو انحصر أمري بين واقع العار وتهمته فالسجن التهمة أحب إلي فرارا عن واقع العار ! . إذا فلما ذا لم يطلب إلى ربه صرف كيدهن عنه بلا أن يسجن ، صرفا للمحظورين و « إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ » ؟ ذلك ، وعلّه استسلام للرب وابتعاد عن المحظور حتى إن قدّر أن يسجن ، ومحور الدعوة « إِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ . . . » ولو بالسجن ، ولم يستجب ربه إلّا في ذلك الصرف : « فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ . . » لا أن قدّر سجنه وصرف الكيد عنه ! . وكيف يحتاج يوسف - بعد ما رأى برهان ربه فلم يهم بالعزيزة - أن يصرف ربه عنه كيدهن ، وفي برهان الرب وهو العصمة كفاية هنا كما هناك ؟ ذلك لأن العصمة والقوة القدسية المفاضة على يوسف ، ليست بالتي