الشيخ محمد الصادقي

45

الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه

هؤلاء الإخوة احتالوا من قبل كل الحيل لأن يذهبوا به ، والآن هم في احتيالات لتغشية أمرهم الإمر على أبيهم ، وأنّى ينجو الكاذب ويفلح ، ويكاد المريب أن يقول خذوني ، فقد ألهاهم الحقد الفائر عن سبك الكذب ، متسرعين في اصطناعه كما تسرعوا في استلاب يوسف من أبيه ، فالتقاطهم لحكاية الذئب المكشوفة دليل على التسرّع ، فقد كان أبوهم بالأمس يحذّرهم منها وهم ينفون ، ويكادون عليه يسطون ويتهكمون ، إذا فكيف يتركون يوسف وهم يستبقون ؟ . « وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ » فرجوعهم عشاء حيلة أولى ، ولئلا يتطلب منهم أن يتحسسوا عنه فورهم ، حيث العشاء ظلام لا يبين ، وخطر أخطر من ذئب النهار ، ومن ثم « يبكون » حيلة أخرى يتسترون وراءها ، تبرئة لهم عما يتهمون ، حيث القاتل لا يبكي على مقتوله وهم « يبكون » ! « قالُوا يا أَبانا » نداء تجمعهم ويوسف في أخوّتهم من أب واحد ، وتستجيش رحمة الأبوة عليهم « إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ » في عدو ، ولم يكن أخونا الطفل ليسطع سباقا ، ولا معنا رفاقا ، ثم من ينظر متاعنا « وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ » ! ولكن ما لهم والاستباق وخطر الذئب حادق في البرية زعمهم ، وهم أكدّوا لأبيهم من قبل أكيد الحفاظ عليه ، لكيلا يأكله الذئب ، ثم ويوسف الطفل الذي لا يسطع مصاحبتهم في سباقهم كيف يسطع مقاتلة السارق وقد أوّل له رؤياه من قبل « وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ . . » فيكف يصدقهم أنّه أكله الذئب ؟ وهذه كلها آيات بينات لكذبهم المختلق الجاهل ، دونما تفكير سدا لثغراته ، وصدا عن تهماته . ولكنهم لكي يبعّدوا كذبهم ويقرّبوا صدقهم ، يتظاهرون بمظهر