الشيخ محمد الصادقي
194
الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه
فمهما كان قبل اليوم عليكم تثريب مني ومن أبينا ، ولكنا اليوم « لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ » فيه إذ قد مضى دور الامتحان والامتهان ، وحان حين اللطف والحنان ، منا ومن الرب الملك المنان . ف « اليوم » إنما هو ظرف ل « لا تَثْرِيبَ . . » دون « يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ » فان قضيته أدبيا تأخيره : « يغفر الله لكم اليوم » ليكون نصا لمظروفه دون تردد ، ولان غفر اللّه لهم ما تمت شروطه بعد ولمّا يغفرهم يعقوب ويستغفر لهم ! وكما طلبوا إليه « يا أَبانَا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إِنَّا كُنَّا خاطِئِينَ . قالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ » ( 98 ) ، ومن ثم فذلك من سوء الأدب والجرأة على الرب أن يقال عنه « يغفر الله لكم اليوم » ولا يملك أحد غفره ولا وقته حين يغفر ، وإنما على العبد أن يستغفر دون تحديد لأصل الغفر أو وقته ! . وإذا كان « الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ » فما لهم يطلبون إلى يعقوب ان يستغفر لهم وهو يعدهم ، وهذا تكذيب منهم ومن يعقوب ل « الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ » ! . وإنها لضابطة أخلاقية ضابطة على الإنسان زهوة القدرة والرئاسة ، وزهرة النصرة في المعركة ، وقد ازدهى يوسف وازدهر حيث أصبح عزيزا في بلد الفراعنة ، فجاءت إخوته متصاغرين أمامه ، معتذرين ، ولكنه ينهي أمرهم ويعذرهم لا في حقه فحسب : « لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ » بل وتطلبا من اللّه أن يغفر هم : « يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ » ثم البقية الباقية هي غفرة واستغفارة من أبيهم وقد فعل : « سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي » . ومن ثم لا نسمع من يوسف صغيرة بعد ولا كبيرة بحق الإخوة ، إلا محاولة مسرعة في تفريج الكربة عن أبيه ببشارة عملية وقولية :