الشيخ محمد الصادقي
150
الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه
هناك تراوده امرأة العزيز عن نفسه ، وهنا إخوته يراودون عن أخيه أباه ، وأنى مراودة من مراودة ؟ ومراودتهم هذه في مختلف احتيالاتهم لاستلاب بن يامين كوعد قاطع منهم ليوسف لا مرد له « وَإِنَّا لَفاعِلُونَ » المراودة المثمرة والإتيان به في المرة الآتية . و « أباه » هنا دون « أبانا » تلمح أنهم عرفوه بأبيهم وأخ لهم من أبيهم هو أحب إلى أبيه منهم ، ولذلك لم يصاحبهم في رحلتهم هذه ، مما يؤيد أنه سألهم عن حالهم وبالهم ، حاضرهم وغائبهم ، وهو طبيعة الحال في مثل ذلك اللقاء المقصود . وليؤكد الصديق واقع مطلوبه منهم ، ويشجع أباه على إزالة العقبات دون السماح لمجيئه يرجع بضاعتهم بصورة خفية إليهم : وَقالَ لِفِتْيانِهِ اجْعَلُوا بِضاعَتَهُمْ فِي رِحالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَها إِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ( 62 ) . من هنا يبدأ كيد اللّه ليأخذ الصديق أخاه وليبلغ مناه « كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ . . » ( 76 ) ! فلا تثريب على يوسف أو تعييب لماذا كادهم ذلك الطائل الغائل ، حيث كان بمرضات اللّه وإرادته شرعة وتكوينا . « وقال » يوسف « لفتيانه » عبيده وغلمانه « اجْعَلُوا بِضاعَتَهُمْ » التي سلموها لجهازهم « فِي رِحالِهِمْ » وطبعا بصورة خفية وغير مرئية « لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَها إِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمْ » فإنها التي أدوها ، فبطبيعة الحال يعرفونها ، على احتمال بعيد ألّا يعرفوها أنها هيه ، ولذلك نترجى قريبا « لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَها . . » فإذا عرفوها تشوّقا لرجوعهم مع أخيهم من أبيهم بداعية ثالثة إضافة إلى ذلك الترغيب والترهيب سلفا « لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ » . و « لعل » الثانية في ترجيّها ، علّها ترمي هدفين ، أولهما تعلقها ب « لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَها » حيث الترجي لا يخلّف إلّا ترجيا مثله ، وثانيهما تعلقها