الشيخ محمد الصادقي
127
الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه
ويحكم كقائد اوّل لإصلاح الحالة الاقتصادية عند توترها وتبعثرها وتعثّرها ، وهكذا يكون رجالات الحق والصدق والدعاة إلى اللّه ، لا يخضعون للأمر الواقع المفروض عليهم أيا كان ، فلا يذلون عن عزهم ، ولا يترذلون أمام السلطات الباطلة المفروضة عليهم ، ولا يحيدون عن موقفهم الرسالي ، ولا يفرق لديهم السجن وخارجه ، ولكي يبرزوا الحق كما يليق به ويحق ، دون مسّ من كرامته وكراماتهم ، ودون نكص على عقبيهم انتقاصا لحق الدعوة والداعية . فيا ليت رجالا - ولا رجال - يمرغون كل كرامة على أقدام الطغاة - بمطلق سراحهم - متسابقين متهافتين على نظرة رضى وكلمة ثناء ، ليتهم يعتبرون بأحسن القصص ، وليعلموا أن العزة والإباء يدرّ عليهم أضعافا من إدرار التمرغ والتزلّف والانحناء أمام ذوي السلطة والكبرياء « وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ . . . وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ » ( 57 ) . « . . فَلَمَّا كَلَّمَهُ قالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ » خلاف ما قبل اليوم لمّا طلب إليه للمرة الأولى « ائْتُونِي بِهِ » ! لست أنت اليوم الفتى العبراني المشرى بثمن بخس دراهم معدودة ، لعبة العزيز وامرأته ، وإنما أنت « الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ » ذو مكانة عالية مرموقة ، ولا أنت المهدّد بالسجن أو عذاب اليم ، وإنما أنت « لدينا اليوم أمين » ، وتراه في ملتقاه مع الملك أخذ يتملق له بقولة أو فعلة كما يفعله رجال الحاشية ؟ كلا ولا في شطر كلمة ، فالنص « فَلَمَّا كَلَّمَهُ » فالملك هو البادئ بالكلام دونه ، اللهم إلا بسلام والسلام ، وفي ذلك الكلام الملكي الهام : « إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ » نرى كل مراتب العزة والإكرام ، دون ألفاظ مرسومة خاوية في المواجهات العادية ، وإنما كلام مكين أمين ، حيث الملك ليس ليهاب أحدا أو يماريه حتى يجاريه في كلمة خاوية المرام .