الشيخ محمد الصادقي
90
الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه
في مطمعك على الجشوبة ، وفي ملبسك على الخشونة ؟ يقول : ويحك إن اللّه عزّ وجلّ فرض على أئمة العدل أن يقدّروا أنفسهم بضعفة الناس كيلا يتبيغ بالفقير فقره . . « 1 » . و يقول عن نفسه : ألا وإن لكل مأموم إماما يقتدي به ، ويستضيء بنور علمه ، ألا وإن إمامكم قد اكتفى من دنياكم بطهريه - ثوبيه الباليين - ومن طعمه بقرصيه ، ألا وإنكم لا تقدرون على ذلك ولكن أعينوني بورع واجتهاد ، وعفة وسداد ، فو اللّه ما كنزت من دنياكم تبرا ، ولا ادّخرت من غنائمها وفرا ، ولا أعددت لبالي ثوبي طهرا ، ولا حزت من أرضها شبرا ، ولا أخذت منه إلّا كقوت أتان دبرة ، ولهي في عيني أوهى وأهون من عفصة مقرة . . . ولو شئت لاهتديت الطريق إلى مصفى هذا العسل ، ولباب هذا القمح ، ونسائج هذا القزّ ، ولكن هيهات أن يغلبني هواي ، ويقودني جشعي إلى تخيّر الأطعمة ، ولعل بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له في القرص ، ولا عهد له بالشبع ، أو أبيت مبطانا وحولي بطون غرثى ، وأكباد حرّى ، أو أكون كما قال القائل : وحسبك داء أن تبيت ببطنة * وحولك أكباد تحنّ إلى القدّ أأقنع من نفسي بأن يقال أمير المؤمنين ولا أشاركهم في مكاره الدهر ، أو أكون أسوة لهم في جشوبة العيش ، فما خلقت ليشغلني أكل
--> ( 1 ) . المصدر 24 عن الكافي في احتجاج أمير المؤمنين ( عليه السّلام ) على عاصم بن زياد حين لبس العبا وترك الملا وشكاه أخوه الربيع بن زياد إلى أمير المؤمنين ( عليه السّلام ) انه قد غم أهله وأحزن ولده بذلك ، فقال أمير المؤمنين ( عليه السّلام ) عليّ بعاصم بن زياد فجيء به فلما رآه عبس في وجهه فقال له : أما استحييت من أهلك ، أما رحمت ولدك ، أترى اللّه أحل لك الطيبات وهو يكره أخذك منها ؟ أنت أهون على اللّه من ذلك ، أوليس اللّه يقول : « وَالْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ . فِيها فاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذاتُ الْأَكْمامِ » أوليس يقول : « مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ » إلى قوله : « يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ » فباللّه لابتذال نعم اللّه بالفعال أحب إليه من ابتذالها بالمقال وقد قال عزّ وجلّ : « وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ » فقال عاصم : . . . وفي نهج البلاغة مثله بزيادة : يا عديّ نفسه لقد استهان بك الخبيث . . .