الشيخ محمد الصادقي
84
الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه
« وَكُلُوا وَاشْرَبُوا » مما يحل لكم ، ولكن ليس فوضى جزاف أن تبذروا أو تسروا لأنها من أموالكم ، بل « ولا تسرفوا » أكلا ولا شربا زائدا عن الحاجة المتعودة ، إسرافا في كمهما وكيفهما : وإسرافا في أصلهما كأن يكونا محرّمين ، فالأكل والشرب المحرمان هما من الإسراف مهما كانا قليلين ، ومنه المأكول والمشروب اللذان يضران بصحة الإنسان ، فإن فيهما إسرافا ، فلا يختص الإسراف المحظور بحقل خاص في الأكل والشرب ، بل هو فيهما بكل الأبعاد مادة وكما وكيفا وصحيا وأي حظر آخر ، وقد يفسره بهذه السعة : « فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ » ( 80 : 24 ) . « إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ » بل يبغضهم ، فضلا عن المبذرين ، ف « إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ » ( 17 : 27 ) . إن التبذير والإسراف إضافة إلى محظورهما الجماعي حيث فيهم جياع معدمون ، فيه أيضا محظور صحي روحيا وبدنيا ، لا فحسب الإسراف ، بل والشبع فإن « من شبع عوقب في الحال ثلاث عقوبات : يلقى الغطاء على قلبه ، والنعاس في عينه ، والكسل على بدنه » « 1 » ، و « كثرة الطعام تميت القلب كما تميت كثرة الماء الزرع » « 2 » ، ف « لا تطلب الحياة لتأكل بل أطلب الأكل لتحيا » « 3 » ، و « لا تجلس على الطعام إلا وأنت جائع ، ولا تقم عنه إلا وأنت تشتهيه ، وجود المضغ ، وأعرض نفسك على الخلاء فإذا استعملت هذه استغنيت عن الطب » « 4 » . ذلك ، و « إن من الإسراف أن تأكل كل ما اشتهيت » « 5 » وهو
--> ( 1 ) . شرح النهج لابن أبي الحديد 674 . ( 2 ، 3 ) . المصدر 824 . ( 4 ) . مستدرك النهج 162 . ( 5 ) الدر المنثور 3 : 80 - أخرج ابن ماجة وابن مردويه والبيهقي عن أنس قال قال النبي ( صلى اللّه عليه وآله وسلم ) : . . . وفيه عنه ( صلى اللّه عليه وآله وسلم ) قال : ان أكثر الناس شبعا في الدنيا أطولهم جوعا يوم القيامة . و فيه عنه ( صلى اللّه عليه وآله وسلم ) قال : ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطن حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه . و فيه عنه ( صلى اللّه عليه وآله وسلم ) قال : المعدة حوض البدن والعروق إليها واردة فإذا