الشيخ محمد الصادقي
37
الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه
بميزانه ، ويجمع الكل « الحق - و - القسط » . « فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ » المؤاتية للحق والقسط « فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ » في الآخرة كما أفلحوا في الأولى ، حيث يفلحون عقبات وعقوبات وصعوبات في الأخرى بثقل موازينهم التي هي أثقل من كل ثقل ، فلا تبقى عقبة إلّا وهم يجتازونها ، فقد ربحوا أنفسهم دون خسران . « وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ » وهي كل موازينه ، إذ لا موازين له حسنات « فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ » بكل موازينها « بِما كانُوا بِآياتِنا » آفاقية وأنفسية « يظلمون » : « وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ » ( 23 : 103 ) . ولأن الخسران في التعارف المتعوّد هو النقص في أثمان المبيعات وليست منها النفوس ، فالإتيان به لها قد يعني مناسبة « الموازين » في عرصات الحساب ليكون الكلام متفقا ، وقصص الحال متطابقا ، فكأنه تعالى جعل نفوسهم لهم بمنزلة العروض المملوكة ، إذ كانوا يوصفون بأنهم يملكون نفوسهم كما يملكون أموالهم ، وقد عرضوا أنفسهم بكل نفائسهم للخسار ، وأوجبوا لها البوار وعذاب النار « جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَبِئْسَ الْقَرارُ » ، فصارت في حكم العروض المتلفة ، وتجاوزوا حد الخسران في الأثمان إلى حد الخسران في الأعيان . وبتعبير أعمق هو أليق بحق الكلام للّه الملك العلام نقول : كل إنسان يملك نفسه بما ملّكه اللّه إياه ، وعلى ضوءه يملك ما سواها ، ثم جعل في مختبر الحياة الدنيا ومتجرها لكي يتاجر بكل ما لديه من نفس ونفيس ليحصل على ما هو أنفس من النفس والنفيس ، بثقل الموازين بعد خفتها ، ولكنه باع نفسه بالأركس الأدنى وبقي صفر اليد عن كل نفسه ونفيسه ، خفيفا عن كافة الموازين المعطاة والمكتسبة ، فقد خلق في أحسن تقويم ، وقرر له حسب مستواه أن يضيف تقويم كيانه إلى تقويم كونه ، ولكنه رد نفسه إلى أسفل سائلين « فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِما