الشيخ محمد الصادقي

289

الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه

بكيان الألوهية ، فالذي « لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ » ف « لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ » كيف بالإمكان أنى يري نفسه للأبصار ، إلا بتحويل الإله المجرد عن كيانه إلى كيان خلقه ، أم تحويل خلقه إلى كيانه لتتسنى الرؤية بتلك المماثلة . وحين لا تحس أية حاسة أيّ محسوس إلّا ما يساميه أو يساويه في حقل الإحساس ، فلا يحس الطعم باللّامسة ولا يلمس بالباصرة ولا يبصر بالسامعة ، ولا يسمع بالباصرة ، فكيف يرجى أن يحس أو يمس أو يجس غير المحسوس بأحد من الحواس الخمس ، في أيّ من عوالم الوجود . ولأن المستحيل ذاتيا لا تتعلق به القدرة فلا يمكن أن يري اللّه نفسه رؤية البصر ، اللّهم إلا رؤية البصيرة المستطاعة لمن يبصر . فرؤية الرب منها مستحيلة ذاتية هي بإبصار ذاته تعالى حيطة ببصر أم بصيرة ، إدراكا إياه ، إذ « لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ » ، أم نسبية هي البصيرة معرفة بالقلب ، بمرتبة هي أعلى من محتد الرائي ، كما المعرفة القمة لموسى ( عليه السّلام ) ، أم ممكنة مأمور بها وهي سائر درجات المعرفة الربانية لسائر الخلق أجمعين ، فعلى كلّ قدر مستطاعه من معرفة اللّه وعبوديته و « لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها » . فمثل « وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ . إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ » ( 75 : 23 ) موجهة إلى وجوه القلوب ، وكما تؤيده « وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ . تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ » حيث الظن هو من أفعال القلوب . فمهما يكن من شيء هنا ، من أقصى دلالة النص ، أن موسى تطلّب الرؤية وهي بين مثلثها ، فلتفسر بمحكمات ك « لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ » « لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ » وبجنبها محكمات أدلة العقول والفطر ، التي تحيل الرؤية بالبصر ، ثم رؤية المعرفة المستطاعة بحول العارف وقوته لا تحتاج إلى « أرني » كما وأن محمدا ( صلى اللّه عليه وآله وسلم ) « رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى » دون تطلب لها : « أرني » فلم تبق إلا الرؤية فوق المستطاعة ، الممكنة في ذاتها وهي المعرفة القمة ، وبجنبها نقل لتطلّب قومه بما أذن اللّه . ذلك ، وليست الرؤية المعرفية تعني كل درجة منها ، وإنما البالغ