الشيخ محمد الصادقي
283
الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه
فلمّا يسأل هو الرؤية ولا تأخذه الصاعقة ثم لا يسقّه ولا ينسب إلى الظلم ، فقد يتبين من ذلك أن السؤال إن كان للرؤية البصرية فهو ( عليه السّلام ) محمّل عليه منهم فيسألها ربه بعد إذنه تعالى إتماما للحجة وإنارة للمحجة . والقول إن : « أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ » دون « أرهم ينظروا إليك » يرد ذلك التحميل ، يردّ بأنه جائز على هامش قصده الأصيل من الرؤية القمة ، وأنه جمع في ذلك السؤال بين أمرين ثانيهما ما تطلبوه ولكنه خص نفسه ليظهر لهم أن استحالة رؤيتهم أحرى بعد استحالة رؤيته ، فقد قدم نفسه فيما حمّل تثبيتا للسلبية الأخرى لهم في حقل الرؤية البصرية ، والقول بأنه كان عليه - إذا - كرسول أن يوضّح لهم بطلان سؤالهم ؟ مردود بأنه أبطله طول رسالته وهنا القصد إلى إبطاله عمليا حين تبطل رؤيته هو ربّه على محتده الرسالي ! . ثم الأظهر الأخفى أن الرؤية المسؤولة هي قمة المعرفة الممكنة باللّه ، اللائقة لأول العارفين والعابدين محمد ( صلى اللّه عليه وآله وسلم ) حيث إن تجليه تعالى « للجبل » لا « في الجبل » دليل تجلي القدرة الربانية التي لا يتحملها الجبل إلّا أن يندك ، ولا بد للمثال أن يشابه الممثل في
--> رجعت إليهم وقالوا إنك ذهبت بهم فقتلتهم لأنك لم تكن صادقا فيما ادعيت في مناجاة اللّه عزّ وجلّ إياك ، فأحياهم وبعثهم معه فقالوا إنك لو سألت اللّه أن يريك ننظر إليه لأجابك وكنت تخبرنا كيف هو ونعرفه حق معرفته ؟ فقال موسى ( عليه السّلام ) : يا قوم ان اللّه تعالى لا يرى بالأبصار ولا كيفية له ، وأنما يعرف بآياته ويكلم بأعلامه ، فقالوا : لن نؤمن لك حتى تسأله ، فقال موسى ( عليه السّلام ) يا رب إنك قد سمعت مقالة بني إسرائيل وأنت أعلم بصلاحهم فأوحى اللّه تعالى إليه : يا موسى سلني ما سألوك فلن آخذك بجهلهم فعند ذلك قال موسى ( عليه السّلام ) : رب أرني انظر إليك قال لن تراني ولكن أنظر إلى الجبل فإن استقر مكانه « وهو يهوي » فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل « بآية من آياته » جعله دكا وخر موسى صعقا فلما أفاق قال « سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ » يقول : رجعت إلى معرفتي بك عن جهل قومي « وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ » منهم بأنك لا ترى ، فقال المأمون : للّه درّك يا أبا الحسن .