الشيخ محمد الصادقي
252
الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه
الْعالَمِينَ » . وإنها صولة الحق الباهر في أعماق الضمائر والمشاعر ، فالسحرة المهرة هم أعلم الناس بواقع فنّهم غير الواقع ومدى ما بالإمكان أن يبلغه من مبلغه ، وهم - أيضا - أعرف الناس بالحق الذي جاء به موسى ، والعالم في فنه هو أكثر الناس استعداد لتقبل الحق ، وكما نرى السحرة منقلبين من التحدي السافر الطليق إلى التسليم الظاهر الطليق الحليق ، ما لا يزعزعه أي تهديد بليغ حميق . ولكي لا يخيل إلى الطاغية أنهم يعنونه بما قال : « أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى » واصفوه ب « رَبِّ مُوسى وَهارُونَ » وهنا ينبري فرعون الطاغية بتهديد شديد على السحرة الساجدين : قالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ( 123 ) لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ ( 124 ) . « قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ، لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ » ( 26 : 59 ) . ويكأن الإيمان أيضا كسائر الأمور بحاجة إلى إذن ؟ وهو أمر قلبي ! فلأن ذلك البليد الطاغي هو الرب الأعلى بزعمه فلتكن أزمة القلوب طرا بيده كما بيده سائر الأزمة . هنا « ءامنتم به » تنديدا بنفس الإيمان ، وفي الشعراء « آمنتم له » تنديدا بشاكلة الإيمان ، أنه ليس إلّا له ولصالحه ، حسب المدبّر المقرر بينكم من مكر مكرتموه في المدينة . وهنا يهرف بما يخرف أن ثعبان العصا « لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها » تسمية للآية البينة الربانية سحرا لهدف قلب نظام الحكم ، ولا يمكرون هكذا إلّا إذا كان موسى معلمهم في السحر ، ومتى كان معهم حتى يعلمهم السحر وهم كانوا سحرة قبل ولادة ؟ وحتى لو كان