الشيخ محمد الصادقي

250

الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه

هم كانوا واثقين لا يفرقون بين إلقاءهم أولا وإلقاءه ، ولو أنه تقدم ، ما كان هناك ظرف لما تقدمه أن يلقف ما يأفكون ، وهذه تكتيكة لصالح الحوار أن يتطلب صاحب الحق أن يتقدم محاورة بما عنده على البساط حتى يسهل له القضاء عليه ، تهديما بكل صرحه ، وفصما لكل طرحه ، وحسما له عن بكرته ، فلذلك استهان بتحدّيهم بكلمة واحدة تبدو فيها قلة مبالاته بهم : « قالَ أَلْقُوا » ما عندكم من السحر « فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ » دون عقولهم وقلوبهم العارفة أنها صورة دون حقيقة وسيرة « وَاسْتَرْهَبُوهُمْ » طلبا لرهبتهم وهم لا يرهبون إلّا ظاهريا « وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ » ما أعظمه بين مختلف ألوان السحر لحد « قالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغالِبُونَ » ( 26 : ) 44 ) فما يصنع ساحر واحد مهما كان عظيما أمام سحر هؤلاء العظماء من سحرة البلاد . ؟ ! فأهم فاعليات السحر أن يسحر أعين الناس ويسترهبهم في المعاينة دون أي واقع وراء سحر الأعين ، وذلك من الفوارق العظيمة بين السحر والآية الربانية ، ولو استطاع ساحر أن يقلب واقعا إلى آخر بسحرة لكانت السحرة المهرة الفرعونية تقلب التراب ذهبا دون طلب لأجر من فرعون ، أم ويقلبوا سلطان فرعون إلى سلطانهم فيتركوا عبوديته إلى حريتهم أنفسهم ، وقد أتينا بقول فصل حول الفوارق بين السحر والآية المعجزة في البقرة فراجع . وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ ( 117 ) . « ألق عصاك » إلغاء لما ألقوا من حبالهم وعصيهم التي سحرت أعين الناس « فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ » : أكلا سريعا حاذقا خارقا « ما يأفكون » دونما رجع أو رجيع ، مما يؤكد أنها آية ربانية رسولية بعيدة عن حقل السحر ، حيث السحر يخيّل - فقط - للأبصار ، والآية يحقق الحق للبصائر . ذلك ، وحين تتغلب عصى موسى - وهي أدنى من آية القرآن بكثير - على ذلك السحر العظيم - وهو أعظم من أي سحر على الإطلاق - أفلا