الشيخ محمد الصادقي

15

الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه

المسؤولية في هذا الميدان ، وإنما هو المسؤول الأول ما كان حيا ، ثم الذين يحملون رسالته إلى يوم الدين ، طول الزمان وعرض المكان ، فإن الإسلام ليس حدثا تأريخيا حصل مرة ثم مضى ، بل هو - قضية خلوده على مدار الزمن - مواجهة دائبة للمكلفين أيّا كانوا وأيان إلى يوم الدين ، وعلى حملة هذه الرسالة - معصومين وسواهم - مواصلة الدعوة الصابرة الصامدة أمام كافة الجاهليات ، غابرة متأخرة ، وحاضرة متحضرة ، حركة متواصلة وسبحا طويلا لاستنقاذ البشرية من مستنقعات الجاهلية الجهلاء : « فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَمَنْ تابَ مَعَكَ » « مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ . . » ( 29 : 48 ) . ولقد استدار الزمان كهيئته يوم جاء ذلك الدين المتين ، وانتكست البشرية إلى جاهلية هي أعرق وأحمق من الجاهلية الأولى ، حيث شملت كل جوانب الحياة دون إبقاء ، فإنها جاهلية علمية علمانية متحضرة تخيّل إلى المجاهيل أنها تقدّمية بيضاء ، رغم أنها رجعية سوداء ، ضاربة أطنابها في كل أرجاء الأرض بكل جنبات الحياة ، فلا بد من كفاح صارم قدر المستطاع ، وبقدر ما اتسعت هذه الجاهلية في وجه الشرعة القرآنية بين أغارب وأقارب . ولقد تكفي الدعوة القرآنية صدا لكل الهجمات الجاهلية بكل معداتها المتحضرة فإنه كتاب الخلود : « أَ وَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ . . » ؟ . ذلك ، وهنا حرج آخر داخل في النهي هو الحرج عما أنزل إليه إذا كان باطلا أم خليطا من الحق والباطل ، ولأنه « كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ » من ربك ، تأكيدا جاهرا أمام العالمين لكي يعلموا على علمه ( صلى اللّه عليه وآله وسلم ) أنه كتاب لا يحرّج الدعية في الدعوة . فعصمة الداعية إلى عصمة مادة الدعوة هما يعصمانه عن أي خطأ قصورا أو تقصيرا ، ثم عصمة الداعية عن أي تقصير ، على عدم عصمته عن قصور غير مقصر ، تعصمه عن كثير من الأخطاء .