الغزالي
90
إحياء علوم الدين
آداب الانصراف فأما الانصراف فله ثلاثة آداب : الأول : أن يخرج مع الضيف إلى باب الدار ، وهو سنة . وذلك من إكرام الضيف قد أمر بإكرامه . قال عليه الصلاة والسلام « من كان يؤمن باللَّه واليوم الآخر فليكرم ضيفه » وقال عليه السلام « إنّ من سنّة الضّيف أن يشيّع إلى باب الدّار قال أبو قتادة قدم وفد النّجاشيّ على رسول الله صلَّى الله عليه وسلم فقام يخدمهم بنفسه فقال له أصحابه نحن نكفيك يا رسول الله فقال كلَّا إنّهم كانوا لأصحابي مكرمين وأنا أحبّ أن أكافئهم وتمام الإكرام طلاقة الوجه ، وطيب الحديث عند الدخول والخروج وعلى المائدة ، قيل للاوزاعى رضي الله عنه ، ما كرامة الضيف ؟ قال طلاقة الوجه ، وطيب الحديث . وقال يزيد بن أبي زياد ، ما دخلت على عبد الرحمن بن أبي ليلى الا حدثنا حديثا حسنا وأطعمنا طعاما حسنا : الثاني : أن ينصرف الضيف طيب النفس وان جرى في حقه تقصير ، فذلك من حسن الخلق والتواضع ، قال صلَّى الله عليه وسلم « إنّ الرّجل ليدرك بحسن خلقه درجة الصّائم القائم » ودعي بعض السلف برسول ، فلم يصادفه الرسول ، فلما سمع حضر ، وكانوا قد تفرقوا وفرغوا وخرجوا فخرج إليه صاحب المنزل ، وقال قد خرج القوم ، فقال هل بقي بقية ؟ قال لا ، قال فكسرة إن بقيت ، قال لم تبق ، قال فالقدر أمسحها ، قال قد غسلتها فانصرف بحمد الله تعالى فقيل له في ذلك ، فقال قد أحسن الرجل ، دعانا بنية ، وردنا بنية ، فهذا هو معنى التواضع وحسن الخلق : وحكى ان أستاذ أبي القاسم الجنيد ، دعاه صبي إلى دعوة أبيه أربع مرات ، فرده الأب في المرات الأربع ، وهو يرجع في كل مرة تطييبا لقلب الصبي بالحضور ، ولقلب الأب بالانصراف فهذه نفوس قد ذللت بالتواضع لله تعالى ، واطمأنت بالتوحيد ، وصارت تشاهد في كل رد وقبول عبرة فيما بينها وبين ربها ، فلا تنكسر بما يجرى من العباد من الاذلال ، كما لا تستبشر بما يجرى منهم من الإكرام ، بل يرون الكل من الواحد القهار . ولذلك قال بعضهم ، أنا لا أجيب الدعوة الا لأني أتذكر بها طعام الجنة ، أي هو طعام طيب يحمل عنا كده ومئونته وحسابه :