الغزالي
88
إحياء علوم الدين
خير من زيادة لونين ويقال إن الملائكة تحضر المائدة إذا كان عليها بقل ، فذلك أيضا مستحب ولما فيه من التزين بالخضرة ، وفي الخبر إن المائدة التي أنزلت على بني إسرائيل كان عليها من كل البقول إلا الكراث وكان عليها سمكة عند رأسها خل ، وعند ذنبها ملح ، وسبعة أرغفة ، على كل رغيف زيتون وحب رمان فهذا إذا اجتمع حسن للموافقة : الثالث : أن يقدم من الألوان ألطفها ، حتى يستوفى منها من يريد ، ولا يكثر الأكل بعده . وعادة المترفين تقديم الغليظ ، ليستأنف حركة الشهوة بمصادفة اللطيف بعده . وهو خلاف السنة . فإنه حيلة في استكثار الأكل . وكان من سنة المتقدمين أن يقدموا جملة الألوان دفعة واحدة ، ويصففون القصاع من الطعام على المائدة ، ليأكل كل واحد مما يشتهي . وأن لم يكن عنده إلا لون واحد ، ذكره ، ليستوفوا منه ، ولا ينتظروا أطيب منه ويحكى عن بعض أصحاب المروءات ، أنه كان يكتب نسخة بما يستحضر من الألوان ، ويعرض على الضيفان . وقال بعض الشيوخ : قدم إلىّ بعض المشايخ لونا بالشام ، فقلت عندنا بالعراق إنما يقدم هذا آخرا ! فقال وكذا عندنا بالشام . ولم يكن له لون غيره . فخجلت منه وقال آخر : كنا جماعة في ضيافة ، فقدم إلينا ألوان من الرؤس المشوية ، طبيخا وقديدا ، فكنا لا نأكل ، ننتظر بعدها لونا أو حملا فجاءنا بالطست ، ولم يقدم غيرها فنظر بعضنا إلى بعض فقال بعض الشيوخ وكان مزاحا ، إن الله تعالى يقدر ان يخلق رؤسا بلا أبدان . قال ، وبتنا تلك الليلة جياعا نطلب فتيتا إلى السحور . فلهذا يستحب أن يقدم الجميع ، أو يخبر بما عنده الرابع : أن لا يبادر إلى رفع الألوان قبل تمكنهم من الاستيفاء ، حتى يرفعوا الأيدي عنها . فلعل منهم من يكون بقية ذلك اللون أشهى عنده مما استحضروه ، أو بقيت فيه حاجة إلى الأكل ، فيتنغص عليه بالمبادرة . وهي من التمكن عام المائدة ، التي يقال إنها خير من لونين . فيحتمل أن يكون المراد به قطع الاستعجال . ويحتمل أن يكون أراد به سعة المكان . حكى عن الستورى ، وكان صوفيا مزاحا ، فحضر عند واحد من أبناء الدنيا على مائدة فقدم إليهم حمل ، وكان في صاحب المائدة بخل ، فلما رأى القوم مزقوا الحمل كل ممزق ، ضاق صدره ، وقال ، يا غلام : ارفع إلى الصبيان . فرفع الحمل إلى داخل الدار . فقام الستورى