الغزالي
76
إحياء علوم الدين
قوله تعالى * ( أَوْ صَدِيقِكُمْ « 1 » فقال فمن الصديق يا أبا سعيد ؟ قال من استروحت إليه النفس ، واطمأن إليه القلب . ومشى قوم إلى منزل سفيان الثوري فلم يجدوه ، ففتحوا الباب ، وأنزلوا السفرة ، وجعلوا يأكلون . فدخل الثوري وجعل يقول : ذكرتموني أخلاق السلف ، هكذا كانوا . وزار قوم بعض التابعين ، ولم يكن عنده ما يقدمه إليهم ، فذهب إلى منزل بعض إخوانه ، فلم يصادفه في المنزل ، فدخل فنظر إلى قدر قد طبخها ، وإلى خبز قد خبزه وغير ذلك ، فحمله كله ، فقدمه إلى أصحابه ، وقال كلوا . فجاء رب المنزل فلم ير شيئا . فقيل له قد أخذه فلان ، فقال قد أحسن . فلما لقيه قال يا أخي إن عادوا فعد فهذه آداب الدخول آداب تقديم الطعام وأما آداب التقديم فترك التكلف أوّلا ، وتقديم ما حضر . فإن لم يحضره شيء ولم يملك ، فلا يستقرض لأجل ذلك ، فيشوّش على نفسه . وان حضره ما هو محتاج إليه لقوته ، ولم تسمح نفسه بالتقديم ، فلا ينبغي أن يقدم . دخل بعضهم على زاهد وهو يأكل ، فقال : لولا انى أخذته بدين لأطعمتك منه . وقال بعض السلف في تفسير التكلف ، أن تطعم أخاك ما لا تأكله أنت ، بل تقصد زيادة عليه في الجودة والقيمة . وكان الفضيل يقول : انما تقاطع الناس بالتكلف ، يدعو أحدهم أخاه ، فيتكلف له فيقطعه عن الرجوع إليه . وقال بعضهم : ما أبالي بمن أتاني من إخواني ، فانى لا أتكلف له ، انما أقرّب ما عندي ، ولو تكلفت له لكرهت مجيئه ومللته . وقال بعضهم : كنت أدخل على أخ لي فيتكلف لي ، فقلت له إنك لا تأكل وحدك هذا ، ولا أنا ، فما بالنا إذا اجتمعنا أكلناه ! فاما أن تقطع هذا التكلف ، أو أقطع المجيء . فقطع التكلف ، ودام اجتماعنا بسببه ومن التكلف أن يقدم جميع ما عنده ، فيجحف بعياله ويؤذى قلوبهم . روى أن رجلا دعا عليا رضي الله عنه ، فقال على : أجيبك على ثلاث شرائط : لا تدخل من السوق شيئا ، ولا تدخر ما في البيت ، ولا تجحف بعيالك . وكان بعضهم يقدم من كل ما في البيت فلا يترك
--> « 1 » النور : 61