الغزالي

39

إحياء علوم الدين

سببا لازديادهم ، فلا تتميز عندهم عبادة عن عبادة وهم الذين فروا إلى الله عز وجل ، كما قال تعالى : * ( لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ . فَفِرُّوا إِلَى الله « 1 » وتحقق فيهم قوله تعالى : * ( وإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وما يَعْبُدُونَ إِلَّا الله فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ من رَحْمَتِه « 2 » وإليه الإشارة بقوله : إني ذاهب إلى ربي سيهدين ، وهذه منتهى درجات الصديقين ، ولا وصول إليها الا بعد ترتيب الأوراد والمواظبة عليها دهرا طويلا ، فلا ينبغي أن يغتر المريد بما سمعه من ذلك فيدعيه لنفسه ، ويفتر عن وظائف عبادته فذاك علامته أن لا يهجس في قلبه وسواس ، ولا يخطر في قلبه معصية ، ولا تزعجه هواجم الأهوال ، ولا تستفزه عظائم الاشغال ، وأنى ترزق هذه الرتبة لكل أحد فيتعين على الكافة ترتيب الأوراد كما ذكرناه وجميع ما ذكرناه طرقي إلى الله تعالى قال تعالى * ( قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِه فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلًا « 3 » فكلهم مهتدون وبعضهم أهدى من بعض ، وفي الخبر [ 1 ] « الإيمان ثلاث وثلاثون وثلاثمائة طريقة من لقى الله تعالى بالشّهادة على طريق منها دخل الجنّة » وقال بعض العلماء الايمان ثلاثمائة عشر خلقا بعدد الرسل ، فكل مؤمن على خلق منها فهو سالك الطريق إلى الله ، فإذا الناس وان اختلفت طرقهم في العبادة فكلهم على الصواب * ( - أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ « 4 » وإنما يتفاوتون في درجات القرب في أصله وأقربهم إلى الله تعالى أعرفهم به ، وأعرفهم به لا بد وأن يكون أعبدهم له ، فمن عرفه لم يعبد غيره والأصل في الأوراد في حق كل صنف من الناس المداومة ، فان المراد منه تغيير الصفات الباطنة ، وآحاد الأعمال يقل آثارها بل لا يحس بآثارها ، وإنما يترتب الأثر على المجموع فإذا لم يعقب العمل الواحد أثرا محسوسا ولم يردف بثان وثالث على القرب انمحى الأثر الأول وكان كالفقيه يريد أن يكون فقيه النفس ، فإنه لا يصير فقيه النفس إلا بتكرار كثير ، فلو بالغ ليلة في التكرار ، وترك شهرا أو أسبوعا ثم عاد وبالغ ليلة لم يؤثر هذا فيه ، ولو وزع

--> « 1 » الذاريات : 49 ، : 60 « 2 » الكهف : 16 « 3 » الاسراء : 84 « 4 » الاسراء : 57