الغزالي

200

إحياء علوم الدين

وهو أن يقدم البدوي البلد ومعه قوت يريد أن يتسارع إلى بيعه ، فيقول له الحضري اتركه عندي حتى أغالى في ثمنه وأنتظر ارتفاع سعره . وهذا في القوت محرم . وفي سائر السلع خلاف . والأظهر تحريمه لعموم النهى ، ولأنه تأخير للتضييق على الناس على الجملة من غير فائدة للفضولى المضيق ونهى رسول الله صلَّى الله عليه وسلم عن النجش ، وهو أن يتقدم إلى البائع بين يدي الراغب المشتري ، ويطلب السلعة بزيادة ، وهو لا يريدها ، وانما يريد تحريك رغبة المشتري فيها . فهذا ان لم تجر مواطأة مع البائع فهو فعل حرام من صاحبه ، والبيع منعقد . وان جرى مواطأة ففي ثبوت الخيار خلاف والأولى إثبات الخيار ، لأنه تغرير بفعل يضاهي التغرير في المصرّاة وتلقى الركبان فهذه المناهي تدل على أنه لا يجوز أن يلبّس على البائع والمشتري في سعر الوقت ، ويكتم منه أمرا لو علمه لما أقدم على العقد . ففعل هذا من الغش الحرام المضاد للنصح الواجب . فقد حكى عن رجل من التابعين أنه كان بالبصرة ، وله غلام بالسوس يجهز إليه السكر . فكتب اليه غلامه ان قصب السكر قد أصابته آفة في هذه السنة ، فاشتر السكر . قال فاشترى سكرا كثيرا ، فلما جاء وقته ربح فيه ثلاثين ألفا . فانصرف إلى منزله فأفكر ليلته ، وقال ربحت ثلاثين ألفا وخسرت نصح رجل من المسلمين . فلما أصبح غدا إلى بائع السكر ، فدفع إليه ثلاثين ألفا ، وقال بارك الله لك فيها . فقال ومن أين صارت لي ؟ فقال إني كتمتك حقيقة الحال ، وكان السكر قد غلا في ذلك الوقت ، فقال رحمك الله قد أعلمتنى الآن ، وقد طيبتها لك قال فرجع بها إلى منزله ، وتفكر وبات ساهرا ، وقال ما نصحته ، فلعله استحيا منى فتركها لي . فبكر إليه من الغد ، وقال عافاك الله ، خذ مالك إليك ، فهو أطيب لقلبي . فأخذ منه ثلاثين ألفا فهذه الأخبار في المناهي والحكايات تدل على أنه ليس له أن يغتنم فرصة ، وينتهز غفلة صاحب المتاع ، ويخفى من البائع غلاء السعر ، أو من المشتري تراجع الأسعار . فان فعل ذلك كان ظالما ، تاركا للعدل والنصح للمسلمين . ومهما باع مرابحة ، بان يقول بعت بما قام علىّ ، أو بما اشتريته ، فعليه أن يصدق . ثم يجب عليه أن يخبر بما حدث بعد العقد من عيب أو نقصان ، ولو اشترى إلى أجل وجب ذكره . ولو اشترى مسامحة من صديقه أو ولده يجب ذكره . لأن المعامل يعوّل على عادته في الاستقصاء انه لا يترك النظر لنفسه ، فإذا تركه بسبب من الأسباب فيجب إخباره ، إذا لاعتماد فيه على أمانته