الغزالي
198
إحياء علوم الدين
فينبغي أن يكيل كما يكتال . قال الله تعالى * ( وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ « 1 » ولا يخلص من هذا الا بان يرجح إذا أعطى وينقص إذا أخذ . إذ العدل الحقيقي قلما يتصور . فليستظهر بظهور الزيادة والنقصان ، فان من استقصى حقه بكماله يوشك أن يتعداه . وكان بعضهم يقول ، لا أشترى الويل من الله بحبة فكان إذا أخذ نقص نصف حبة ، وإذا أعطى زاد حبة . وكان يقول ، ويل لمن باع بحبة جنة عرضها السماوات والأرض . وما أخسر من باع طوبى بويل . وانما بالغوا في الاحتراز من هذا وشبهه ، لأنها مظالم لا يمكن التوبة منها . إذ لا يعرف أصحاب الحبات حتى يجمعهم ويؤدى حقوقهم . ولذلك لما اشترى رسول الله صلَّى الله عليه وسلم شيئا [ 1 ] قال للوزان لما كان يزن ثمنه « زن وأرجح » ونظر فضيل إلى ابنه وهو يغسل دينارا يريد أن يصرفه ، ويزيل تكحيله وينقيه حتى لا يزيد وزنه بسبب ذلك . فقال يا بني فعلك هذا أفضل من حجتين وعشرين عمرة . وقال بعض السلف ، عجبت للتاجر والبائع كيف ينجو ، يزن ويحلف بالنهار ، وينام بالليل . وقال سليمان عليه السلام لابنه ، يا بني كما تدخل الحبة بين الحجرين ، كذلك تدخل الخطيئة بين المتبايعين . وصلى بعض الصالحين على مخنث ، فقيل له انه كان فاسقا ، فسكت ، فأعيد عليه ، فقال كأنك قلت لي كان صاحب ميزانين ، يعطى بأحدهما ويأخذ بالآخر . أشار به إلى أن فسقه مظلمة بينه وبين الله تعالى ، وهذا من مظالم العباد . والمسامحة والعفو فيه أبعد . والتشديد في أمر الميزان عظيم ، والخلاص منه يحصل بحبة ونصف حبة وفي قراءة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه * ( أَلَّا تَطْغَوْا في الْمِيزانِ ) * وأقِيمُوا الْوَزْنَ بِاللِّسانِ ولا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ أي لسان الميزان ، فان النقصان والرجحان يظهر بميله وبالجملة كل من ينتصف لنفسه من غيره ولو في كلمة ، ولا ينصف بمثل ما ينتصف ، فهو داخل تحت قوله تعالى * ( وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ « 2 » الآيات .
--> « 1 » المطففين : 1 - 2 - 3 « 2 » المطففين : 1 - 2 - 3