الغزالي

193

إحياء علوم الدين

فقصر فرسى ، فرجعت . ثم حملت الثالثة ، فنفر منى فرسى ، وكنت لا أعتاد ذلك منه فرجعت حزينا ، وجلست منكس الرأس منكسر القلب ، لما فاتنى من العلج ، وما ظهر لي من خلق الفرس . فوضعت رأسي على عمود الفسطاط ، وفرسى قائم ، فرأيت في النوم كأن الفرس يخاطبني ويقول لي ، باللَّه عليك أردت أن تأخذ على العلج ثلاث مرات ، وأنت بالأمس اشتريت لي علفا ودفعت في ثمنه درهما زائفا ؟ لا يكون هذا أبدا . قال فانتبهت فزعا فذهبت إلى العلاف ، وأبدلت ذلك الدرهم فهذا مثال ما يعم ضرره وليقس عليه أمثاله القسم الثاني ما يخص ضرره المعامل فكل ما يستضر به المعامل فهو ظلم . وإنما العدل أن لا يضر بأخيه المسلم . والضابط الكلى فيه أن لا يحب لأخيه إلا ما يحب لنفسه . فكل ما لو عومل به شق عليه ، وثقل على قلبه ، فينبغي أن لا يعامل غيره به . بل ينبغي أن يستوي عنده درهمه ودرهم غيره . قال بعضهم من باع أخاه شيئا بدرهم ، وليس يصلح له لو اشتراه لنفسه إلا بخمسة دوانق ، فإنه قد ترك النصح المأمور به في المعاملة ، ولم يحب لأخيه ما يحب لنفسه . هذه جملته فأما تفصيله ففي أربعة أمور : أن لا يثنى على السلعة بما ليس فيها ، وأن لا يكتم من عيوبها وخفايا صفاتها شيئا أصلا ، وأن لا يكتم في وزنها ومقدارها شيئا ، وأن لا يكتم من سعرها ما لو عرفه المعامل لامتنع عنه أما الأول : فهو ترك الثناء . فان وصفه للسلعة إن كان بما ليس فيها فهو كذب . فإن قبل المشتري ذلك فهو تلبيس وظلم مع كونه كذبا . وإن لم يقبل فهو كذب واسقاط مروءة ، إذ الكذب الذي يروج قد لا يقدح في ظاهر المروءة . وإن أثنى على السلعة بما فيها فهو هذيان ، وتكلم بكلام لا يعنيه . وهو محاسب على كل كلمة تصدر منه أنه لم تكلم بها . قال الله تعالى * ( ما يَلْفِظُ من قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْه رَقِيبٌ عَتِيدٌ ) * « 1 » إلا أن يثنى على السلعة بما فيها

--> « 1 » ق : 81