الغزالي
191
إحياء علوم الدين
فبقدر درجات لا ضرار تتفاوت درجات الكراهية والتحريم وبالجملة التجارة في الأقوات مما لا يستحب ، لأنه طلب ربح ، والأقوات أصول خلقت قواما ، والربح من المزايا . فينبغي أن يطلب الربح فيما خلق من جملة المزايا التي لا ضرورة للخلق إليها . ولذلك أوصى بعض التابعين رجلا ، وقال لا تسلم ولدك في بيعتين ، ولا في صنعتين بيع الطعام وبيع الأكفان فإنه يتمنى الغلاء وموت الناس . والصنعتان أن يكون حزارا ، فإنها صنعة تقسى القلب ، أو صواغا ، فإنه يزخرف الدنيا بالذهب والفضة النوع الثاني ترويج الزيف من الدراهم في أثناء النقد ، فهو ظلم . إذ يستضر به المعامل ان لم يعرف ، وإن عرف فسيروّجه على غيره ، فكذلك الثالث والرابع ، ولا يزال يتردد في الأيدي ، ويعم الضرر ، ويتسع الفساد ويكون وزر الكل ووباله راجعا إليه . فإنه هو الذي فتح هذا الباب . قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] « من سنّ سنّة سيّئة فعمل بها من بعده كان عليه وزرها ومثل وزر من عمل بها لا ينقص من أوزارهم شيئا » وقال بعضهم إنفاق درهم زيف ، أشد من سرقة مائة درهم . لان السرقة معصية واحدة ، وقد تمت وانقطعت وإنفاق الزيف بدعة أظهرها في الدين ، وسنة سيئة يعمل بها من بعده ، فيكون عليه وزرها بعد موته إلى مائة سنة ، أو مائتي سنة ، إلى أن يفنى ذلك الدرهم . ويكون عليه ما فسد من أموال الناس بسنته . وطوبى لمن إذا مات ماتت معه ذنوبه . والويل الطويل لمن يموت وتبقى ذنوبه مائة سنة ومائتي سنة أو أكثر ، يعذب بها في قبره ، ويسأل عنها إلى آخر انقراضها قال تعالى * ( ونَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وآثارَهُمْ « 1 » أي نكتب أيضا ما أخروه من آثار أعمالهم ، كما نكتب ما قدموه . وفي مثله قوله تعالى * ( يُنَبَّؤُا الإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وأَخَّرَ « 2 » وانما أخر آثار أعماله من سنة سيئة عمل بها غيره وليعلم أن في الزيف خمسة أمور
--> « 1 » يس : 12 « 2 » القيامة : 13