الغزالي
150
إحياء علوم الدين
دون العزل ، ومن قائل يباح في المملوكة دون الحرة والصحيح عندنا أن ذلك مباح . وأما الكراهية فإنها تطلق لنهى التحريم ، ولنهى التنزيه ، ولترك الفضيلة ، فهو مكروه بالمعنى الثالث . أي فيه ترك فضيلة . كما يقال يكره للقاعد في المسجد أن يقعد فارغا لا يشتغل بذكر أو صلاة . ويكره للحاضر في مكة مقيما بها الا يحج كل سنة : والمراد بهذه الكراهية ترك الأولى والفضيلة فقط . وهذا ثابت لما بيناه من الفضيلة في الولد ، ولما روى عن النبي صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] « إنّ الرّجل ليجامع أهله فيكتب له بجماعه أجر ولد ذكر قاتل في سبيل الله فقتل » وانما قال ذلك لأنه لو ولد له ولد مثل هذا الولد ، لكان له أجر التسبب إليه ، مع أن الله تعالى خالقه ومحييه ومقويه على الجهاد والذي إليه من التسبب فقد فعله ، وهو الوقاع ، وذلك عند الأمناء في الرحم وانما قلنا لا كراهة بمعنى التحريم والتنزيه ، لأن إثبات النهى انما يمكن بنص ، أو قياس على منصوص . ولا نص ، ولا أصل يقاس عليه ، بل هاهنا أصل يقاس عليه ، وهو ترك النكاح أصلا ، أو ترك الجماع بعد النكاح ، أو ترك الانزال بعد الايلاج . فكل ذلك ترك للأفضل وليس بارتكاب نهى . ولا فرق إذ الولد يتكون بوقوع النطفة في الرحم ، ولها أربعة أسباب : النكاح ثم الوقاع ، ثم الصبر إلى الانزال بعد الجماع ، ثم الوقوف لينصب المنى في الرحم . وبعض هذه الأسباب أقرب من بعض ، فالامتناع عن الرابع كالامتناع عن الثالث ، وكذا الثالث كالثاني ، والثاني كالأول ، وليس هذا كالاجهاض والوأد ، لأن ذلك جناية على موجود حاصل ، وله أيضا مراتب ، وأول مراتب الوجود أن تقع النطفة في الرحم ، وتختلط بماء المرأة وتستعد لقبول الحياة . وافساد ذلك جناية . فان صارت مضغة وعلقة ، كانت الجناية أفحش وان نفخ فيه الروح واستوت الخلقة ، ازدادت الجناية تفاحشا . ومنتهى التفاحش في الجناية بعد الانفصال حيا وانما قلنا مبدأ سبب الوجود من حيث وقوع المنى في الرحم لا من حيث الخروج من الإحليل ، لأن الولد لا يخلق من منى الرجل وحده ، بل من الزوجين جميعا . اما من مائه ومائها ، أو من مائه ودم الحيض . قال بعض أهل التشريح ان المضغة تخلق بتقدير الله من دم الحيض