الغزالي
128
إحياء علوم الدين
الشرع إلى مراعاة أسباب الألفة ، ولذلك استحب النظر . فقال « [ 1 ] إذا أوقع الله في نفس أحدكم من امرأة فلينظر إليها فإنّه أحرى أن يؤدم بينهما » أي يؤلف بينهما ، من وقوع الأدمة على الأدمة ، وهي الجلدة الباطنة والبشرة الجلدة الظاهرة . وانما ذكر ذلك للمبالغة في الائتلاف وقال عليه السلام [ 2 ] « إنّ في أعين الأنصار شينا فإذا أراد أحدكم أن يتزوّج منهنّ فلينظر إليهنّ » قيل كان في أعينهن عمش . وقيل صغر وكان بعض الورعين لا ينكحون كرائمهم الا بعد النظر ، احترازا من الغرور ، وقال الأعمش كل تزويج يقع على غير نظر فآخره همّ وغم : ومعلوم أن النظر لا يعرف الخلق والدين والمال وانما يعرف الجمال من القبح . وروى أن رجلا تزوج على عهد عمر رضي الله عنه ، وكان قد خضب ، فنصل خضابه ، فاستعدى عليه أهل المرأة إلى عمر ، وقالوا حسبناه شابا فأوجعه عمر ضربا . وقال غررت القوم وروى أن بلالا وصهيبا أتيا أهل بيت من العرب ، فخطبا إليهم ، فقيل لهما من أنتما ؟ فقال بلال أنا بلال ، وهذا أخي صهيب ، كنا ضالين فهدانا الله ، وكنا مملوكين فأعتقنا الله ، وكنا عائلين فأغنانا الله . فان تزوجونا فالحمد لله ، وإن تردونا فسبحان الله . فقالوا بل تزوجان ، والحمد لله . فقال صهيب لبلال ، لو ذكرت مشاهدنا وسوابقنا مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلم ، فقال اسكت ، فقد صدقت فأنكحك الصدق والغرور يقع في الجمال والخلق جميعا ، فيستحب إزالة الغرور في الجمال بالنظر ، وفي الخلق بالوصف والاستيصاف . فينبغي أن يقدم ذلك على النكاح ، ولا يستوصف في أخلاقها وجمالها إلا من هو بصير صادق ، خبير بالظاهر والباطن ، ولا يميل إليها فيفرط في الثناء ،