الغزالي

121

إحياء علوم الدين

والنظر يقع أحيانا ، وهو يخصه ، وينصرم على قرب . والنظر زنا العين ولكن إذا لم يصدقه الفرج فهو إلى العفو أقرب من أكل الحرام ، الا أن يخاف إفضاء النظر إلى معصية الفرج ، فيرجع ذلك إلى خوف العنت . وإذا ثبت هذا فالحالة الثالثة وهو أن يقوى على غض البصر ، ولكن لا يقوى على دفع الأفكار الشاغلة للقلب أولى بترك النكاح لأن عمل القلب إلى العفو أقرب ، وانما يراد فراغ القلب للعبادة ولا تتم عبادة مع الكسب الحرام وأكله وإطعامه فهكذا ينبغي أن توزن هذه الآفات بالفوائد ، ويحكم بحسبها : ومن أحاط بهذا لم يشكل عليه شيء مما نقلنا عن السلف من ترغيب في النكاح مرة ، ورغبة عنه أخرى ، إذ ذلك بحسب الأحوال صحيح . فان قلت : فمن أمن الآفات فما الأفضل له التخلي لعبادة الله أو النكاح ؟ فأقول يجمع بينهما ، لان النكاح ليس مانعا من التخلي لعبادة الله من حيث إنه عقد ، ولكن من حيث الحاجة إلى الكسب . فان قدر على الكسب الحلال ، فالنكاح أيضا أفضل ، لأن الليل وسائر أوقات النهار يمكن التخلي فيه للعبادة ، والمواظبة على العبادة من غير استراحة غير ممكن فان فرض كونه مستغرقا للأوقات بالكسب ، حتى لا يبقى له وقت سوى أوقات المكتوبة والنوم والأكل وقضاء الحاجة ، فإن كان الرجل ممن لا يسلك سبيل الآخرة الا بالصلاة النافلة ، أو الحج وما يجرى مجراه من الأعمال البدنية ، فالنكاح له أفضل ، لان في كسب الحلال والقيام بالأهل ، والسعي في تحصيل الولد ، والصبر على أخلاق النساء ، أنواعا من العبادات لا يقصر فضلها عن نوافل العبادات . وان كان عبادته بالعلم والفكر وسير الباطن ، والكسب يشوش عليه ذلك ، فترك النكاح أفضل . فان قلت فلم ترك عيسى عليه السلام النكاح مع فضله ، وان كان الأفضل التخلي لعبادة الله فلم استكثر رسولنا صلَّى الله عليه وسلم من الأزواج ؟ فاعلم أن الأفضل الجمع بينهما في حق من قدر ، ومن قويت منته ، وعلت همته ، فلا يشغله عن الله شاغل . ورسولنا عليه