الغزالي
109
إحياء علوم الدين
وهذه محنة عامة قل من يتخلص منها . قال قتادة في معنى قوله تعالى * ( ولا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا به « 1 » هو الغلمة . وعن عكرمة ومجاهد أنهما قالا في معنى قوله تعالى * ( وخُلِقَ الإِنْسانُ ضَعِيفاً « 2 » أنه لا يصبر عن النساء . وقال فياض بن نجيح : إذا قام ذكر الرجل ذهب ثلثا عقله ، وبعضهم يقول ذهب ثلث دينه . وفي نوادر التفسير عن ابن عباس رضي الله عنهما * ( ومن شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ « 3 » قال قيام الذكر ، وهذه بلية غالبة ، إذا هاجت لا يقاومها عقل ولا دين ، وهي مع أنها صالحة لان تكون باعثة على الحياتين كما سبق ، فهي أقوى آلة الشيطان على بني آدم ، وإليه أشار عليه السلام بقوله « ما رأيت [ 1 ] من ناقصات عقل ودين أغلب لذوي الألباب منكنّ » وانما ذلك لهيجان الشهوة . وقال صلَّى الله عليه وسلم في دعائه « اللَّهمّ [ 2 ] إنّى أعوذ بك من شرّ سمعي وبصرى وقلبي وشرّ منيّي » وقال « أسألك [ 3 ] أن تطهّر قلبي وتحفظ فرجي » فما يستعيذ منه رسول الله صلَّى الله عليه وسلم كيف يجوز التساهل فيه لغيره وكان بعض الصالحين يكثر النكاح ، حق لا يكاد يخلو من اثنتين وثلاث ، فأنكر عليه بعض الصوفية ، فقال هل يعرف أحد منكم أنه جلس بين يدي الله تعالى جلسة ، أو وقف بين يديه موقفا في معاملة ، فخطر على قلبه خاطر شهوة ؟ فقالوا يصيبنا من ذلك كثير ، فقال لو رضيت في عمري كله بمثل حالكم في وقت واحد ، لما تزوجت ، لكني ما خطر على قلبي خاطر يشغلني عن حالي الا نفذته ، فأستريح وارجع إلى شغلى ، ومنذ أربعين سنة ما خطر على قلبي معصية وأنكر بعض الناس حال الصوفية ، فقال له بعض ذوي الدين : ما الذي تنكر منهم قال يأكلون كثيرا ، قال وأنت أيضا لو جعت كما يجوعون ، لأكلت كما يأكلون ، قال ينكحون كثيرا ، قال وأنت أيضا لو حفظت عينيك وفرجك كما يحفظون ، لنكحت كما ينكحون . وكان الجنيد يقول : أحتاج إلى الجماع كما أحتاج إلى القوت . فالزوجة على التحقيق قوت
--> « 1 » البقرة : 286 « 2 » النساء : 28 « 3 » الفلق :