الشيخ محمد الصادقي

355

الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه

والجهالة التي تقرض التوبة على اللّه ليست هي الجهل بحكم اللّه قصورا أو تقصيرا ، ألّا يرى السوء سوأ ثم بعد العلم يتوب من قريب حيث العصيان مع الجهل بالحكم أو الموضوع ليس عصيانا مهما كان مقصرا في جهله ، حيث الجهل هنا هو العصيان لا العمل الجاهل ، و « كل ذنب عمله العبد وإن كان عالما فهو جاهل حين خاطر بنفسه في معصية ربه . . » « 1 » فليست هي الجهالة بل هي الحماقة على علم بالسوء ، أن غلبت عليه شقوته وشهوته دونما تهتك لساحة الربوبية ، ولا تعمد عصيان ، فلذلك يتوب من قريب لما خمدت نيران شهوته وزال غبارها عن وجه ايمانه ندمانا أسفا . وأما المسوف للتوبة فهو العامد ، أو المستغل شطرا من حياته للسوء رجاء التوبة قبل الموت أم بعد ردح يقضي فيه وطره . والجهالة على علم اثنتان أخراهما أن يجهل عقاب اللّه ويتجاهل حضوره وحكمه كسنة في حياته بقليل أو كثير ، والجهالة في الآية هي الأولى ، دون العامة التي هي لزام كل عصيان أيا كان . ومن الأولى المعنية هنا « أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ » - « إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ » - « أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ » فإنها وأضرابها تعني الجهلالة على علم دون طليق الجهل حكما أو موضوعا ، وانما جهالة بحضرة الربوبية غفلة عنها وتساهلا . فالأصل في حقل التوبة هو الإيمان والاعتراف بالذنب والندم عليه : « وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ » ( 9 : 102 ) .

--> ( 1 ) . نور الثقلين 1 : 457 المجمع عن أبي عبد اللّه ( ع ) . . . فقد حكى اللّه سبحانه وتعالى قول يوسف لإخوته « هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ » فنسبهم إلى الجهل لمخاطرتهم بأنفسهم في معصية اللّه .