الشيخ محمد الصادقي

98

الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه

وكلّ يقدّر بقدر المستطاع ، دون النزوع إلى ما لا يطاق ، وإلى أن يتسلم الإمرة الشاملة - على العالم كله - ولي الأمر كله عجل اللّه تعالى له الفرج وسهل له المخرج . ولما ذا كان الكف عن الدفاع في العهد المكي واجبا لزاما ؟ والدفاع - على أية حال - حق ذاتي لكل من يهاجم ؟ . قد يكون من أسبابه تطوع نفوس المؤمنين الأول - وهم قواعد بناية الإسلام - للتصبّر ، خضوعا لقيادة موحّدة ، وهم شديدو الحماسة لا يتصبرون على الظلم والضيم ، وذلك الصبر يمرّن على الطوع رغم النزعات الشديدة والهياجات المديرة في أية حركة مضادة عليهم ، صبرا بما أمروا « كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ » . ثم البيئة العربية كانت - ولا تزال - بيئة نخوة ونجدة ، إذا فصبر المسلمين على الأذى وفيهم من يملك الصاع صاعين وأصواعا ، ذلك كان مما يثير نخوة الآخرين وتحريك قلوبهم نحو الإسلام بهكذا مسلمين ، وقد حدث بالفعل في اضطهاد الشعب عندما أجمعت قريش على مقاطعة بني هاشم فيه لكي يتخلوا عن حماية الرسول ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) ، فلما تفاقم أمر الاشتداد في الاضطهاد ثارت نفوس من قريش نجدة ونخوة ، فمزقت صحيفة المعاهدة الملعونة ضد الرسول ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) وانتهى الحصار ، كخليفة صالحة لذلك الحياد عن الدفاع في تلك الفترة . ومن ثم لم يكن من الصالح سياسيا اسلاميا للقيادة العليا الرسالية إثارة حروب دموية داخل البيوت ، إذ كان المسلمون في العهد المكي فروعا قليلة من غزيرة البيوت ، ولم تكن هناك سلطة موحدة تتولى الإيذاء العام ، فلو أذن للمسلمين بالدفاع لكان معناه الإذن في إقامة المعارك المتواصلة في جل البيوت ،