الشيخ محمد الصادقي

249

الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه

النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ » اختلافا على وحدتهم في أمة الضلالة ، فالهدف الأقصى والأسمى من بعث الله النبيين هو الحكم بين الناس المختلفين في أهوائهم ورغباتهم ، والثاني يستفاد من : « وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ » - اي في كتاب النبوة - « إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ » علماء وجهالا ، حيث تذرعوا بعامل الوحدة لبثّ الاختلاف فيما هو الداعي إلى الوحدة ، كما اختلفوا في القرآن في أبعاد أخراها الرجوع إليه كأصل ورأس للزاوية . فهناك قبل إنزال الكتاب ، أم قبل النظر المهتدي إلى الكتاب ، اختلاف اوّل هو طبيعة الحال ، قضية مختلف الأهواء والرغبات من ناحية ، وقصور الفطر والعقول من أخرى . ثم هنا اختلاف ثان هو في الكتاب ، اختلافا في تصديقه ، فمنهم من آمن ومنهم من كفر ، واختلافا آخر بعد تصديقه ، تثاقلا عليه دون انتقال إلى الشرعة التالية ، كاليهود المتثاقلين على شرعتهم تكذيبا للمسيح ، والمسيحيين المتثاقلين على شرعتهم تكذيبا للقرآن ، أم اختلافا في الكتاب في حقله نفسه ، إرجاعا إليه كأصل ، أم تركا له إلى روايات وأقاويل لا أصل لها ، ثم اختلافا في الإرجاع ، تحميلا عليه آراء زينوها وراء الكتاب ، أم رجوعا إليه كما هو ، تفسيرا بنفسه . « وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ » فالذين أوتوه هنا - بطبيعة الحال - هم علماء الكتاب ، لا الموحى إليهم إذ لا اختلاف بينهم ولا بغي ، ولا الناس الجهال حيث لم يؤتوا إلّا تكليفا به ببيان علماء الكتاب . فقد حملهم البغي بينهم على الاختلاف فيه ، بين تكذيب واختلاف وإرجاع إلى غيره ، ثالوث يجمعه إهمال الكتاب عن أصالته في حقل الشرعة الإلهية .