الشيخ محمد الصادقي
172
الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه
إن السوفسطائيين الناكرين لوجود العلم - سواء عن طريق العقل أو الحس - ينكرون وحتى أنفسهم ، وترى أليس إنكارهم أنفسهم علما فكيف أنكروه ؟ أو أنه جهل - إذا - فخلافه وهو إدراكهم أنفسهم علم ! . كذلك الحسيون أنكروا أيّ سناد إلى العقل ، ثم وهم يسندون في نكرانهم إلى دليل العقل ! ثم العقليون يعتمدون فقط إلى العقليات ، ومن المستحيل إلّا قليلا أن تنتج العقليات الصرفة - دون أيّ سناد إلى الحس - ما يصدّقه الإنسان ! ولكنما الإلهيون المعتدلون هم الأمة الوسطى ، إذ يجمعون بين العقل والحس ، مهما كان العقل إمام الحس والحس أمامه ، وكما يقول الإمام الصادق : « العقول أئمة القلوب والقلوب أئمة الأفكار والأفكار أئمة الحواس والحواس أئمة الأعضاء » ! فالإيمان بالغيب هو العتبة التي يجتازها الإنسان فيتخطّى رتبة الحيوانية الحسية إلى درجة الإنسانية العائشة العقل مع الحس ، نقلة بعيدة التأثير في تصور الإنسان لحقيقة الوجود ، وتصديقه للوجود الحق ، كما هي بعيدة في حياته الأرضية ، إذ يرى نفسه في رباط دائم بالوجود اللّانهائي وراء هذا الكون : المكوّن لهذا الكون ، فينظّم حياته صالحة كما يرضاه خالق الكون . ثم النص « يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ » لا « يدركون الغيب » أو « يحيطون علما بالغيب » حيث الغيب منه ما لا يدرك نهائيا كغيب الذات الإلهيّة وصفاته الذاتية وأفعاله ، وكغيب الوحي ، اللّهم بآيات محسوسات أو معقولات تدل عليه ، أو الوحي لأصحابه الخصوص . ومنه ما يدرك في اليوم الآخر كاليوم الآخر والملائكة أم ماذا ، ولكنه لا يدرك يوم الدنيا ، فلا سبيل إليها إلّا إيمانا وتصديقا .