الشيخ محمد الصادقي
161
الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه
شكلياتها ، فإنها متشابهة في مخارجها الصوتية على سواء . فمهما كان التدبر في سائر القرآن راجحا أو واجبا ، فهو في هذه الحروف غير ممكنة إذ لا مجال فيها ، اللّهم إلّا ما ثبت في تأويلها عن أهليها ، أم تخرسا بالغيب أو تخرصا : « قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ ، الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ ساهُونَ » ( 51 : 10 ) : « إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ » ( 6 : 116 ) ! ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ ( 2 ) وترى لماذا « ذلك » إشارة البعيد ، وهذا الكتاب بين أيدينا قريب قريب ؟ ثم وما هو « الكتاب » ؟ وكيف « لا رَيْبَ فِيهِ » وفيه مرتابون كثير ؟ وكيف هو فقط « هُدىً لِلْمُتَّقِينَ » ؟ فما بال غير المتقين يعذبون وليس القرآن لهم هدى ؟ ! . ذلك لأن « ذلك » إشارة تلميحة إلى علوّ المحتد ، وبعد المنزلة لربانية الكتاب ككلّ : معنويا ولفظيا ، على كونه قريبا منّا كتابة وسماعا وتلفظا ، ثم وقريبا إن تدبرنا فيه معنويا حسب الإمكانيات والقابليات ، فهو إذا غريب عنا ، قريب منا ، جماع الغربة القربة ، التي تستحق « ذلك » مرة أخرى . و « الكتاب » علّه أم الكتاب لدى اللّه : « وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ » ( 43 : 4 ) فهذا الذي تفصيله بين يديك « لا رَيْبَ فِيهِ » . أو والذي أنزل على الرسول ليلة القدر : « إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ » نزولا محكما : « كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ » ( 41 : 3 ) وهذا تفصيله « لا رَيْبَ فِيهِ » : أو الذي أجمل في أم الكتاب « سورة الحمد » هو ذلك الكتاب لا ريب فيه .