الشيخ محمد الصادقي
129
الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه
فإنما المستدعاة هنا هي صراط المنعم عليهم ، دون المغضوب عليهم الذين يعرفون نعمة اللّه ثم ينكرونها : « وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا » ( 27 : 14 ) يعرفون الحق ثم يحيدون عنه كأنهم لا يعرفون ، أو يعرفونه باطلا ، ودون الذين ضلوا عن الحق قاصرين أو مقصرين فلم يهتدوا إليه . ولأن الهدى هي الروحية ، والصراط الحق المستقيم هنا هو الموصل إلى حقها وحاقّها ، وأن نعم الدنيا تعم المغضوب عليهم والضالين ، إذا ف « أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ » تعني النعمة القمّة الروحية ، ولأنها لم تقيّد هنا بقسم دون آخر ، فهي مطلق النعم السابغة الروحية . من الصورة الإنسانية جسرا إلى كل نعمة ، والايمان والاعتصام باللّه في صحبة العبودية الصالحة ، والإسلام للّه وتوحيده على ضوء كتاب الشّرعة وسنة رسولها ، وأفضل النماذج السابقة السابغة للمنعم عليهم - على مختلف درجاتهم - هم : النبيون والصديقون والشهداء والصالحون : « فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً . . . وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً . وَإِذاً لَآتَيْناهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً . وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً . وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً . ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ عَلِيماً » ( 4 : 70 ) . هنا نجد القمّة العليا بين المنعم عليهم وهو الرسول محمد ( صلى اللّه عليه وآله وسلم ) فمن يطع اللّه والرسول فأولئك مع هؤلاء المنعم عليهم في تلك الطاعة مهما اختلفت المرتبة وكما هم درجات ، النبيون أعلاهم والصالحون أدناهم ، والصديقون والشهداء أوسطهم ، وهم كلهم برفاقهم المطيعين للّه والرسول ، عائشون تحت ظل ظليل من هذا الرسول العظيم ،