محمد أبو زهرة
92
المعجزة الكبرى القرآن
وقد راجعنا من بعد ذلك القاضي عبد الجبار « 1 » في كتابه إعجاز القرآن ، فوجدناه يقرر فصاحة الكلمة منفردة ، ولكن لا تبدو بلاغة معانيها إلا إذا تضامت مع غيرها فهو يقول : « اعلم أن الفصاحة لا تظهر في إفراد الكلام ، وإنما تظهر في الكلام بالضم على طريقة مخصوصة ، ولا بد مع الضم من أن يكون لكل كلمة ابتداء ، وقد يجوز أن تكون هذه الصفة بالمواضعة التي تتناول الضم ، وقد تكون بالإعراب الذي له مدخل فيه ، وقد تكون بالموقع ، وليس لهذه الأقسام رابع ، لأنه إما أن تعتبر فيه الكلمة أو حركاتها أو موقعها ، ولا بد من هذا الاعتناق في كل كلمة ، ثم لا بد من اعتبار مثله في الكلمات إذا انضم بعضها إلى بعض ، لأنه قد يكون لها عند الانضمام صفة ، وكذلك لكيفية إعرابها وحركاتها وموقعها ، فعلى هذا الوجه الذي ذكرناه إنما تظهر مزية الفصاحة بهذه الوجوه دون ما عداها . هذا كلام من ذلك الإمام المعتزلي ، نهج فيه نهجا فلسفيا ، ولكنه يؤدى إلى ما قصدنا إلى بيانه ، ولعله يريد من المواضعة الوضع اللغوي للكلمة ، ويشمل ذلك الأصل اللغوي ، والحقيقة العرفية ، والمجاز والاستعارة والتشبيه ، وغير ذلك ، ويريد من الموقع موقع الكلمة من أخواتها من غير تنافر بينهما ، بحيث تكون الكلمة لقف أختها ، متناسقة متناسبة . ولعله يريد من موقع اختيار الكلمة في وضعها بأن تكون فاعلا أو مفعولا أو حالا ، أو فيها اختصاص ، إذ عبر بالإشارة القريبة ، وهكذا ، فهو لم ينظر إلى بنية الكلمة وحدها بل نظر إلى موقعها من الإعراب . وعلى ذلك نرى أن الكلمة البليغة تظهر بلاغتها مع أخواتها ، وأن الكلمة قد تكون بليغة في موضع ، ولا تكون بليغة في موضع آخر في كلام الناس ، أما القرآن فالكلمة تكون بليغة دائما ، لأن منزل القرآن وهو اللّه تعالى يضع الكلمات في مواضعها ، وفي الكلام الذي ينسب إلى الناس قد تكون اللفظة في موضع بليغة ، وفي غيره غير ذلك ، ولذلك يقول عبد الجبار في تفاوت كلام الناس : « لا بد في الكلامين اللذين أحدهما يكون أفصح من الآخر أن يكون إنما زادوا عليه بكل ذلك أو بعضه ( أي بالأمور السابقة ) ولا يمنع في اللفظة الواحدة أن تكون إذا استعملت في معنى تكون أفصح منها إذا استعملت في غيره » . . واللّه أعلم . 2 - الأسلوب القرآني 55 - قد تكلمنا في سابق قولنا في ألفاظ القرآن المفردة ، أن اللفظ المفرد له بلاغة خاصة في ضمن الأسلوب ، وأن كل كلمة في جملة من الكلام تدل بمفردها على
--> ( 1 ) هو القاضي أبو الحسن عبد الجبار توفى سنة 415 ه .