محمد أبو زهرة
84
المعجزة الكبرى القرآن
فأولا : الفاء التي تفيد ترتيب الجزاء على الأعمال ، وثانيا : التعبير بربكم الذي فيه الإشارة إلى أنه خلق فسوى وهو المربى المكمل ، الهادي كلا إلى غايته ، وثالثا : ترتب العلم الكامل على كونه الخالق ، ورابعها : ذكر العلم الكامل بأفعل التفضيل الذي يدل على أنه لا علم فوقه إن كان ثمة تفاضل ، وخامسا : التعبير عن الجزاء بأنه أثر الهداية ، وإن اللّه تعالى أعلم بالمهتدين ، وسادسا : التعبير بأفعل التفضيل في أهدى ، أي أنه العالم بمن اهتدى بعد أن يغفر اللّه ، وسابعا : في التمييز بكلمة سبيلا ، وفيه بيان بعد نوع من الإبهام ، وكذلك يكون العلم متمكنا فضل تمكّن ، علم بالهداية وعلم بمنهاجها ، وهو السبيل القويم . 50 - بعد هذا النظر السريع إلى تلك الآية نتجه إلى آية أخرى ، نجد فيها الكلمة تدل على معنى لو غيرت بغيرها مما يكون في معناها ظاهرا ، مرادفا لها بادي الرأي ، لا يمكن أن يؤدى المعنى الذي يشرق منها ، ويجتمع به في الدلالة صورة اللفظ ، وإشراق المدلول . اقرأ قوله تعالى : وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ ( 18 ) [ التكوير : 18 ] ، فإننا لو أردنا تغيير كلمة من هاتين الكلمتين لتغيرت الصورة البيانية ، ولننظر فيهما . الكلمة الأولى : وهي الصبح ، فإنها تدل على النور الذي يتخلل الظلمة ، ويسرى فيها شيئا فشيئا وينبعث في هذا الوجود فيملؤه نورا ، وتنبعث من بعده الحياة ، ويخرج الناس إلى معايشهم بعد سبات الليل وسكنه ، وما يغشى به الكون من لباس الظلمة . ولا شك أن كلمة الفجر قد تدل على بعض معاني كلمة الصبح ، والعلماء يعدونهما من المترادفين ، ولكن عند التحقيق نجد كلمة الفجر تدل على معنى شق الظلمة ، وعلى مجرد ابتداء نهاية الظلمة ، ولذلك يقترن بها ذكر الليالي ، كما قال تعالى : وَالْفَجْرِ ( 1 ) وَلَيالٍ عَشْرٍ ( 2 ) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ ( 3 ) [ الفجر : 1 - 3 ] ، فقد كان ذكر الليالي مع الفجر متناسبا ؛ لأن الليل متآخ مع الفجر في معناه ، وقصد به مجرد نهاية الليالي . ولكن كلمة الصبح لوحظ فيها الإشارة إلى ابتداء النهار . فإذا كان وقت الفجر والصبح واحدا ، فإن الفجر فيه بيان إنهاء الليل ، والصبح ابتداء النهار ، ولذا يستحسن الناس أن يقال طلع الفجر ، ولا يقال طلع الصبح ، بل يقال أشرق الصبح ، وهنا نجد المعنى واحدا في الجملة ، ولكن الدلالة اللغوية الدقيقة مختلفة ، فهذا إشراق ، وذاك إنهاء . والكلمة الثانية : كلمة تَنَفَّسَ فإن كلمة التنفس في ذاتها تدل على بدء مظاهر الحياة شيئا فشيئا ؛ ذلك لأن أصل التنفس من النفس ، وهي الحياة ، وهي أيضا الريح ،