محمد أبو زهرة

78

المعجزة الكبرى القرآن

تلازم الحروف ، فبلغ به أن يكون الأصل في الإعجاز ، وأخرج سائر ما ذكروه في أقسام البلاغة من أن يكون له مدخل أو تأثير فيما له كان القرآن معجزا . كان الوجه أن يقال له : إنه يلزمك على قياس قولك أن يجوز أن يكون هنا نظم للألفاظ ، وترتيب لا على نسق المعاني ، ولا على وجه يقصد به الفائدة ، ثم يكون مع ذلك معجزا وكفى فسادا » . وينتهى القول في هذا إلى أن الخلاف بين الجرجاني والخطابي والجاحظ وغيرهما يكون في أمرين غير جوهريين : أولهما : أن الجرجاني لا يعتبر للألفاظ منفردة فصاحة أو بلاغة إلا في ضمن كلام مجتمع ، وحينئذ يكون التآخي أولا وبالذات في المعاني ، وكون الألفاظ واضحة الدلالة على هذه المعاني ، والتآخي يكون في المعاني ابتداء . ثانيهما : ألا يعتبر الفصاحة غير البلاغة ؛ لأن الفصاحة عند من يفرقون بين الفصاحة والبلاغة تكون في تلاؤم الحروف وتلاؤم الكلمات للألفاظ كما قال ابن الأثير : جمال أوتار أحيانا ، وغير ذلك أحيانا . وإن ذلك اختلاف اصطلاح ، ولا مشاحة في الاصطلاح ، إنما المشاحة تكون في المعاني الجوهرية ، لا في الاصطلاح ولا في الأمور الشكلية . ويسلم الجرجاني بأن للألفاظ جمالا ، وأنها في النظم تكون لنغماتها وألحانها مساعدات للمعاني ، ولكنه يمنع منعا مطلقا ، ونحن معه ، أن تكون الألفاظ وحدها والكلمات منفردة سببا للإعجاز ، إنما الإعجاز يكون في أمور كثيرة منها تناسق الكلمات ، وما تشعه من معان وأخيلة بيانية في وسط أسلوب مكتمل البنيان يلتقى بنغمه وفواصله ، وصوره البيانية ، مع الألفاظ المحكمة ، والمعاني السليمة التي لم يكن للناس عهد بها من قبل . نظرات في ألفاظ القرآن 48 - إن الألفاظ في ضمن الأسلوب البياني الرائع ، ونعتقد مؤمنين أن كل لفظ في القرآن له معنى قائم بذاته ، وفيه إشعاع نوراني يتضافر مع جملته ، ويساعد بعضه بعضا في المعاني العامة للأسلوب والعبارات الجامعة . وإن العبارات مجتمعة يساعد بعضها بعضا . ولسنا نستطيع إحصاء تلك النواحي في جمال ألفاظ القرآن إحصاء ، ولكنا نضرب من الأمثال على مقدار طاقتنا ، ومن غير أن نصل إلى أقصى الغاية وإنما نسدد ونقارب ، بل المقاربة فوق طاقتنا ، وقد سبقنا إلى تلك المحاولة فحول البيان .