محمد أبو زهرة

67

المعجزة الكبرى القرآن

5 - ومنها الإخبار عن الأمور التي تقدمت في أول الدنيا إلى وقت نزوله على أمي ما كان يتلو من قبله من كتاب ، ولا يخطه بيمينه ، فأخبر بما كان من قصص الأنبياء مع أممها ، والقرون الخالية في دهرها ، وذكر ما سأله أهل الكتاب عنه وتحدوه من قصة أهل الكهف وشأن موسى والخضر عليهما السلام ، وحال ذي القرنين فجاءهم وهو الأمى الذي لا يقرأ ولا يكتب ، وليس له بذلك علم بما عرفوا من الكتب السالفة صحته ، قال القاضي ابن الطيب « 1 » : ونحن نعلم ضرورة أن هذا مما لا سبيل إليه إلا عن العلم . وإذا كان معروفا أنه لم يكن ملابسا لأهل الآثار وحملة الأخبار ، ولا مترددا إلى المتعلم منهم ، وما كان ممن يقرأ فيجوز أن يقع إليه كتاب فيأخذ منه - علم أنه لا يصل إلى علم ذلك إلا بتأييد من جهة الوحي . 6 - ومنها الوفاء بالوعد المدرك بالحس في العيان ، في كل ما وعد اللّه سبحانه ، وينقسم : إلى أخباره المطلقة كوعد اللّه بنصر رسوله صلى اللّه عليه وسلم ، وإخراج الذين أخرجوا . والقسم الثاني وعد مقيد بشرط . كقوله تعالى : وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [ الطلاق : 3 ] . 7 - ومنها الإخبار عن المغيبات في المستقبل التي لا يطلع عليها إلا بالوحي ، فمن ذلك ما وعد اللّه به نبيه عليه السلام أنه سيظهر دينه على كل الأديان ، بقوله تعالى : هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ [ التوبة : 33 ] ففعل ذلك . 8 - ومنها ما تضمنه القرآن من العلم الذي هو قوام الأنام في الحلال والحرام وسائر الأحكام . 9 - ومنها الحكم البالغة التي لم تجر العادة بأن تصدر في كثرتها وشرفها من آدمي . 10 - ومنها التناسب في جميع ما تضمنته ظاهرا وباطنا من غير اختلاف ، قال اللّه تعالى : وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً [ النساء : 82 ] . وبعد أن ذكر القرطبي هذه العشرة قال : « قلت : فهذه عشرة أوجه ذكرها علماؤنا رحمة اللّه تعالى عليهم ، ووجه حادي عشر قاله النظام وبعض القدرية أن وجه الإعجاز هو المنع من معارضته والصرف عند التحدي بمثله ، وأن المنع والصرفة هو المعجزة ، دون ذات القرآن ، ذلك أن اللّه تعالى صرف هممهم عن معارضته مع تحديهم بأن يأتوا بسورة من مثله ، وهذا فاسد ؛ لأن الإجماع قبل حدوث المخالف أن القرآن هو المعجز ، فلو قلنا أن المنع والصرفة هو

--> ( 1 ) المتوفى سنة 435 .