محمد أبو زهرة

64

المعجزة الكبرى القرآن

قويا ، وأصل الأصول المشتقة من كلام العرب ، ونظمها وطبقها على القرآن ، وثبت من التطبيق أنه أعلاها . وهذا الكتاب يعد أصلا بنى عليه ، فقد شرحه عبد القاهر الجرجاني المتوفى سنة 471 ه شرحا مطولا ، وأودع ذلك الشرح كتابا سماه المعتضد وله شرح آخر أصغر منه . وهكذا كل كاتب يقيم بناء يكمله من يجيء بعده ، فالواسطى أكمل البناء الذي وضعه الجاحظ ، أو بنى عليه ، وترك لغيره أن يكمل البناء . وجاء عبد القاهر الجرجاني فبنى على ما وضع الواسطي ، وكان كتابه دلائل الإعجاز قد أوفى على ما وضع الجاحظ والواسطي . وفي الزمن الذي سار فيه الجاحظ والواسطي من بعده ، والجرجاني من بعدهما ، وانتهى إلى تلك الثروة المثرية في باب الإعجاز البلاغي للقرآن . كانت هناك محاولة أخرى ، في طريق مواز لذلك الطريق . فقد وضع أبو عيسى الرماني المتوفى في سنة 382 ه كتابه في الإعجاز ، فوضع بناء ثالثا ، غير بناء الجاحظ والواسطي ، ثم جاء الباقلاني المتوفى سنة 403 ه فوضع كتابه إعجاز القرآن ، ويلاحظ أن تاريخه سابق على دلائل الإعجاز ، وأحسب أن من الحق علينا أن نقول أن دلائل الإعجاز ، لم يبن على الواسطي فقط ، بل إنه أخذ من كل الينابيع التي سبقته . وإن القارئ له يجد فيه كل مزايا من سبقه ، وفيه زيادة جديرة بالأخذ ، بل أساس لعلوم البلاغة كلها مستقاة من القرآن ، وموضحة لأوجه البلاغة فيه أولا ، وعلوه على كل كلام ثانيا ، ثم فيه وضع مقاييس ضابطة لكل كلام بليغ ثالثا . فكتاب الباقلاني ، قد تعرض للإعجاز بالمواجهة ابتداء ، ولم يسبق علم البلاغة ابتداء ، ثم يتعرض للإعجاز انتهاء ، ولكنه جعل الأصل في الكلام الإعجاز ، ثم البلاغة تابعة له تبعية الدليل للمدلول ، والبرهان للدعوى ، والمقدمة للنتيجة . ويلاحظ على هذا الكتاب أنه لم يشر إلى ما سبقه إلا الجاحظ ، فقد أشار إليه إشارة لا تكريم فيها ، ولكن فيها استهجان واستصغار لما كتبه ، ولم يشر أي إشارة إلى ما كتبه الواسطي ، وما كتبه الرماني ، وقد سبقاه ، وكان ثانيهما على مقربة من زمانه ، مع أنه أخذ من الرماني قطعا ولم يذكر اسمه . ومهما يكن الأمر بالنسبة لمن سبقوه في القول ، وإهمال ذكرهم فهو الكتاب الذي اختص بأن يكون في الإعجاز ابتداء ، كما أشرنا ، وقد وفى فيه بأمهات المسائل . ويقول فيه الرافعي المتوفى سنة 1937 م في كتابه إعجاز القرآن : « على أن كتاب الباقلاني ، وإن كان فيه الجيد الكثير وكان الرجل قد هذبه وصفاه ، وتصنع له ، إلا أنه