محمد أبو زهرة
62
المعجزة الكبرى القرآن
( ه ) وإن مثل الذين يقولون : إن إعجاز القرآن بالصرفة ، كمثل الذين قالوا : إن القرآن سحر يؤثر . وقد أثبت ذلك الرافعي في كتابه إعجاز القرآن ، فقال : « وعلى الجملة فإن القول بالصرفة لا يختلف عن قول العرب إن هذا إلا سحر يؤثر ، وهذا زعم رده اللّه تعالى على أهله ، وأكذبهم فيه ، وجعل القول فيه ضربا من العمى أَ فَسِحْرٌ هذا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ ( 15 ) [ الطور : 15 ] . وإن التشابه بين القول بأنه سحر أن الامتناع عن المماثلة في كليهما من خارج الشيء لا من ذاته ، فالقول بالصرفة يفيد أن العرب لم يكونوا عاجزين . ولكن حيل بينهم وبين العمل على المماثلة ، وكذلك الأمر في السحر يشدههم ، حتى يعجزوا . ولقد سبق أن علل المشركون عجزهم بعد التفكير والتقدير بأنه سحر يؤثر . قال تعالت كلماته في شأن الوليد بن المغيرة : ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً ( 11 ) وَجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُوداً ( 12 ) وَبَنِينَ شُهُوداً ( 13 ) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً ( 14 ) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ ( 15 ) كَلَّا إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً ( 16 ) سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً ( 17 ) إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ ( 18 ) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ( 19 ) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ( 20 ) ثُمَّ نَظَرَ ( 21 ) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ( 22 ) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ ( 23 ) فَقالَ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ ( 24 ) إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ ( 25 ) [ المدثر : 11 - 25 ] . هذا ما وصل إليه الوليد بن المغيرة بعد أن قدر ودبر في ملأ من قومه ، يجيء كاتب متفلسف فيأتي بهذا القول من غير تقدير ولا تدبير . 37 - ومهما يكن من بطلان هذه الفكرة ، فقد أدت إلى إنشاء علوم البلاغة في ظل القرآن ، فاتجه الكاتبون إلى بيان أسرار البلاغة في هذا الكتاب المبين ، المنزل من عند اللّه الحكيم ، قرآنا عربيا ، فكان هذا الباطل سببا في خير كثير ، وكما يقول المثل السائر ( رب ضارة نافعة ) ، فقد تولد عن هذا الباطل دفاع حكيم ، ولدت منه علوم البلاغة العربية ، وكما تولد عن الخطأ في تلاوة آية « علم النحو » تولدت علوم البلاغة العربية . وإن أكثر ما كتب الأولون في البلاغة والفصاحة كان في ظل القرآن ، ومحاولة لبيان إعجازه . وإن أول ما كتب في إعجاز القرآن من ناحية البيان كان في الوقت الذي جاء فيه القول بالصرفة ، بين نفى وإثبات كما أشرنا ، وأول من عرف أنه تصدى للكلام في الإعجاز في نظم القرآن هو الجاحظ ، تلميذ النظام ، الذي أنكر عليه قوله ، وعابه في منهاجه الفكري من أنه يظن الظن ، ثم يجعله أصلا يجرى عليه القياس مصححا لقياسه