محمد أبو زهرة
60
المعجزة الكبرى القرآن
ولقد أشار إلى رد الجاحظ الذين كتبوا في الإعجاز ومنهم الباقلاني ، وممن نسب إليه القول بالصرفة الشريف المرتضى من الشيعة ، وفسر الصرفة بأن اللّه تعالى سلبهم العلوم التي يحتاج إليها في معارضة القرآن والإتيان بمثله . ومؤدى كلامه أنهم أوتوا المقدرة على المعارضة بما كانوا عليه من بيان وبلاغة وفصاحة ، فهم قادرون على النظم ، والعبارات ، ولكن ليست عندهم المقدرة بسبب أنهم لم يعطوا العلم الذي يستطيعون به محاكاة القرآن في معناه . وإن هذا القول ينافيه أن اللّه سبحانه وتعالى طالب بأن يأتوا بعشر سور مثله مفتريات وأعفاهم من أن يكون كلامهم مشتملا على ما في القرآن من علم ، واقتصر على التحدي بالنظم والعبارة واللفظ . فهذا القول نوع من الصرفة ، ونفى للإعجاز الذاتي ، ويختلف مع ما اشتمل عليه القرآن . وممن قالوا بالصرفة الفقيه البليغ العنيف المتشدد ابن حزم « 1 » الأندلسي . فقد قال في كتاب الفصل في سبب الإعجاز : « لم يقل أحد أن كلام غير اللّه تعالى معجز ، لكن لما قاله اللّه تعالى ، وجعله كلاما له ، أصاره معجزا ، ومنع من مماثلته » ثم قال : وهذا برهان كان لا يحتاج إلى غيره . وإن ذلك الكلام يبدو بادي الرأي غريبا من ابن حزم ، ولكن المتأمل فيه يجده سائر على مذهبه في نفى الرأي والحكم بظاهر القول من غير تعليل ، فالاتجاه إلى تعليل الإعجاز بأن السبب فيه بلاغته التي علت عن طاقة العرب ، والتي جعلتهم يخرون صاغرين بين يديه من غير مراء ولا جدال يعد تعليلا ، وهو من باب الرأي الذي ينفيه ، والتعليل الذي يجافيه ، فلا بد أن يبحث عن سبب غير ما ذكر اللّه تعالى . 36 - وإننا نرى أنه بعد كلام النظام صارت فكرة الإعجاز بالصرفة مجال اختلاف بين العلماء ما بين مقرر لها ومستنكر . وقد آن لنا أن نبين بطلان هذه الفكرة من أساسها ، وإن دلائل البطلان قائمة ثابتة مأخوذة من الوقائع التاريخية والموازنات الحقيقية الثابتة . ( أ ) منها ، ما ذكرنا من قبل أن العرب عندما تلقوا القرآن راعهم بيانه ، وأثار إعجابهم أسلوبه وعباراته ، وقالوا : ما رأينا مثله شعرا ولا نثرا ، فكان العجز لذاته ، لا لشئ خارج عنه ، وما لنا نفترض ما لم يقولوا وما لم يفعلوا ، وما لم يقدروا ، إلا أن يكون ذلك تمويها ، وإنكارا للواقع المستقر ، بفرض وهمى .
--> ( 1 ) توفى سنة 456 ه .