محمد أبو زهرة
43
المعجزة الكبرى القرآن
يجوز التصديق إلا بعد التبين ، والتبين يكون بطرائق مختلفة منها ما يكون بطرق الإثبات من بينات ومنها ما يكون بالقرائن ، ومنها ما يكون بربط الأمور الواقعة بالأمر المخبر عنه ، وهكذا ، فالقراءتان : تبين إحداهما التبين بالطرق المختلفة ، والثانية تبين أن أسلم الطرق هو تعرف الأمر بما يثبت من أقوال الصادقين المؤمنين . وإنه قد يكون اختلاف القراءات مؤديا إلى بيان حكم بقراءة ، وحكم متمم له بقراءة أخرى فتستفاد الأحكام في أوجز تعبير على ما فيه من تغيير القراءة من اختلاف في نغم الترتيل ، وموسيقا البيان القرآني الذي يساميه . وقد قال في هذا المعنى الكاتب الكبير المرحوم مصطفى صادق الرافعي : « وثالثة تلحق بمعانى الإعجاز ، وهي أن تكون الألفاظ في اختلاف بعض صورها مما يتهيأ معه استنباط حكم أو تحقيق معنى من معاني الشريعة ، ولذا كانت القراءات من حجة الفقهاء في الاستنباط والاجتهاد ، وهذا المعنى مما انفرد به القرآن الكريم ، ثم هو مما لا يستطيعه لغوى أو بيانى في تصوير خيال فضلا عن تقرير شريعة » . ولذلك تجد الفقهاء في استدلالاتهم الفقهية يقولون : الحجة فيه قراءة كذا ، وهي لا تكون مناقضة للقراءة الأخرى ، وربما تكون القراءة دالة على حكم آخر غير مناقض للحكم الذي دلت عليه القراءة المستشهد بها ، فتكون الآية بالقراءتين دالة على حكمين متلاقيين غير متناقضين ، وذلك من الإيجاز المعجز الذي لا يوجد في كلام الناس ، ولكنه موجود في كلام خالق الناس . 25 - هذا ، ونختم الكلام في القراءات بكلمة مأثورة للصحابى الفقيه عبد اللّه بن مسعود ، فهو يقول : « لا تنازعوا في القرآن فإنه لا يختلف ، ولا يتلاشى ، ولا ينفد لكثرة الرد ، وإنه شريعة الإسلام ، وحدوده وفرائضه ، ولو كان شئ من الحرفين ( أي القراءتين ) ينهى عن شئ يأمر به الآخر ، كان ذلك الاختلاف ، ولكنه جامع ذلك كله لا تختلف فيه الحدود ولا الفرائض ، ولا شئ من شرائع الإسلام ، ولقد رأيتنا نتنازع عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فيأمرنا فنقرأ عليه ، فيخبرنا أن كلنا محسن ، ولو أن أحدا أعلم بما أنزل اللّه على رسوله صلى اللّه عليه وسلم منى لطلبته حتى أزداد علما إلى علمي ، ولقد قرأت من لسان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم سبعين سورة ، وقد كنت علمت أنه يعرض عليه القرآن في رمضان ، حتى كان عام قبض فعرض عليه مرتين ، فكنت إذا فرغ أقرأ عليه ، فيخبرني أنى محسن » . اللهم احفظنا بالقرآن واجعله محفوظا بيننا كما وعدت إنك لا تخلف الميعاد ، ووفقنا للعمل به . * * *