محمد أبو زهرة

428

المعجزة الكبرى القرآن

وقد قالوا أنه صحيح السند ، وأن التغني المذكور في الحديث السابق ، هو مصدر غنى ، وقد فسرنا التغنية في الحديث بأنها ليست الغناء الذي يقصد به القارئ أن يعتبر القرآن أغنية يطرب بها السامعين ، إنما التغني عمل نفسي للقارئ التالي للقرآن ، بأن يشبع الكلمات ، ويستمتع بها ، وبنغمها ويراجع في كلماته متذوقا لها ، مدركا لكل معانيها ، متفهما ، محبا للقرآن ، غير متململ ، ولا متكلف ، وقد شرحنا ذلك من قبل . وكتابة القرآن الكريم أمر مطلوب ، وقد كان النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، يملى على الكتاب ما حفظ من ربه ، وما أن انتقل النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى إلا كان القرآن الكريم كله مكتوبا مسطورا ، ومحفوظا ومرتلا متلوا ، تلاوة نبوية . وإن الأمر بالكتابة لا يدل على الاستغناء بها ، فإنه إن حفظ الحروف والكلمات لا يروى الترتيل الذي نزل على النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، ولذلك كان لا بد من الإقراء على مقرئ ليحفظ المتواتر عن النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم الذي علمه ربه الترتيل ، كما تواتر القرآن المحفوظ ، وكما قال تعالى : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ ( 9 ) [ الحجر : 9 ] . 268 - من هذا كله يتبين أن القراءة الصحيحة تكون بترتيل القرآن الكريم ، لما علمه اللّه تعالى لنبيه في قوله تعالت كلماته : فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ( 18 ) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ ( 19 ) [ القيامة : 18 ، 19 ] . وإن الاعتبار في القراءة التي يكون فيها التزيين يثبت بأن يمتلئ قلب القارئ بالخشوع ، ويلقى به في نفوس السامعين ، فهذا هو القياس المستقيم ، ولقد قال النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، كما روينا من قبل : « أحسن الناس صوتا من إذا قرأ رأيته يخشى اللّه تعالى » . وإن قراءة القرآن لا تجوز إلا بإخراج الحروف من مخارجها ، والمد في موضعه ، والغن في موضعه والوصل حيث يقتضيه المعنى . والوقف حيث يوجبه المعنى ، فذلك هو الترتيل . ولقد روى حذيفة بن اليمان أن النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم قال : « اقرءوا القرآن بلحون العرب ، وأصواتها ، وإياكم ولحون أهل الفسق ، ولحون أهل الكتاب ، وسيجئ بعدى قوم يرجعون القرآن ترجيع الغناء والنوح ، لا يجاوز حناجرهم ، مفتونة قلوبهم ، وقلوب الذين يعجبهم شأنهم » رواه الترمذي في نوادر الأصول من حديث حذيفة .