محمد أبو زهرة

422

المعجزة الكبرى القرآن

ولقد أمر اللّه تعالى نبيه الكريم بأن يرتل القرآن ترتيلا فقال تعالى : وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا [ المزمل : 14 ] ولقد نسب سبحانه وتعالى الترتيل إلى ذاته العلية فقال تعالى : وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا . ولقد وضع العلماء المقاييس والضوابط التي تميز الترتيل المطلوب في تلاوة القرآن الكريم ، ولم يتركوا الأمر فرطا بل وضعوا ميزانا يميز الترتيل المطلوب عن القراءات البعيدة عن الترتيل ، وهو علم التجويد ، وعلم القراءات ، ففي هذين العلمين يتميز المنهاج المطلوب في الترتيل عن غيره مما يبتدعه الناس . 264 - ولقد كان التابعون تلاميذ الصحابة يتبعون في قراءة القرآن الترتيل الذي تعلموه من الصحابة كما أشرنا ، وهو الترتيل الذي قرأ به الصحابة على النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، وهو الترتيل الذي علمه اللّه تعالى لنبيه ، فكان السند متصلا اتصالا وثيقا ، وتواترت القراءة ، تواتر القرآن كما نوهنا . ولكن حدث في العصر الأموي ، وهو عصر التابعين ، ومن امتد به الأجل من الصحابة رضى اللّه تعالى عنهم أن دخل الغناء الفارسي ، وتشايع ذلك الغناء بألحانه . ويظهر أن هذا الغناء تسامى بألحانه إلى القرآن الكريم ، فالتوت بعض الألسنة عن الترتيل المتبع في عصر النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، ومن كان حيا من المعمرين من الصحابة استنكر ذلك ، يروى في هذا عن زياد النميري أنه جاء مع بعض القراء إلى أنس بن مالك خادم رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم فقيل له : اقرأ ، فرفع صوته ، وطرب ، وكان رفيع الصوت ، فكشف أنس عن وجهه ، وكان على وجهه خرقة سوداء ، فقال : يا هذا ما هكذا كانوا يقرءون . وكان إذا رأى شيئا ينكره كشف الخرقة عن وجهه . وإن هذا الخبر عن ذلك الصحابي الجليل يدل على أمرين : أولهما - أن التطريب بالقرآن برفع الصوت وخفضه مسايرة لنغم أو نحو ذلك ما كان في الترتيل الذي تلقاه الصحابة عن رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم . والثاني - أنه يدل على أن ذلك التطريب بقراءة القرآن قد حدث في العصر الأموي بعد أن دخل الغناء الفارسي ، فهو بدعة ابتدعت ، وكل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة في النار ، وذلك فوق أن القرآن لا بد أن يرتل ترتيلا ، وذلك ليس ترتيل القرآن ، والقراءة كما قلنا متبعة . وإن التلاوة الحق كما حد العلماء حدودها ، وقرروا مقياسها في علم يدرس قد ذكر القرآن خواصها ، وهي في آثارها في نفس القارئ ، وفي نفس من يسمعها ، وفيما تدل عليه من منزلة القرآن ، ومكانته في هذا الوجود .