محمد أبو زهرة
416
المعجزة الكبرى القرآن
الرواية له سبب واضح ، وهي تساير الحقيقة التاريخية ، وهو أن أبا حنيفة الفقيه المدرك ، قرر جواز قراءة المعاني بالفارسية على أنها دعاء مقارب للفاتحة في معانيه . فلما لانت الألسنة ودخل الناس من أهل فارس وغيرها في دين اللّه أفواجا ، ورأى أن المبتدعين هم الذين يتخذون القرآن مهجورا ، وهم الذين يستبيحون تلك الرخصة التي رخصها ، حرم ما كان قد استحسن . 260 - ومهما تكن الفتوى من الناحية التاريخية فإن الفقهاء اختلفوا في أصل هذه الفتوى أمؤداها أن أبا حنيفة اعتبر الترجمة دعاء ، وليست قرآنا ، أم أنه اعتبرها قرآنا ، وهل مؤدى ذلك أن يكون أبو حنيفة قد اعتبر القرآن هو المعنى دون اللفظ . ونقول في الإجابة عن هذا السؤال أن من المقطوع به أن أبا حنيفة لم يعتبر القرآن الذي نزل على محمد صلى اللّه تعالى عليه وسلم هو المعنى فقط ، فذلك ما لم يقله أحد من أهل الإيمان ، لأن محمدا صلى اللّه تعالى عليه وسلم أقرأه جبريل اللفظ ، ولم يوح إليه بالمعنى وحدها ، اقرأ قوله تعالى مع ما تقدم : لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ( 16 ) إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ( 17 ) فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ( 18 ) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ ( 19 ) [ القيامة : 16 - 19 ] فهل بعد هذا النص القاطع يستطيع أحد أن يدعى على أبي حنيفة الورع التقى أنه يقول أن الذي نزل على محمد ، وتلقاه عن جبريل الأمين - وهو روح القدس - هو المعنى فقط ، إن ذلك غير معقول . وبقي السؤال الأول : هل يمكننا أن نفهم من هذا أن أبا حنيفة أقر قراءة القرآن بغير العربية ممن يعرف العربية ، ولا يجيد إخراج الحروف من مخارجها ، إنه يعتبر المعنى ذاته قرآنا مع إقراره بأن الذي نزل على محمد اللفظ والمعنى . نقول : إن الأكثرين من الفقهاء المتقدمين والمتأخرين يقولون أن أبا حنيفة اعتبر المترجم مجزئا للصلاة في الحدود التي رسمناها في دور من أدوار اجتهاده الفقهي ، ولكنه لا يعده قرآنا قط ، ولذا لم يقل أنه تجب سجدة التلاوة بالجزء المترجم إذا كان في معنى آية لها سجدة تلاوة ، وأجاز أن يمس غير المتوضئ الجزء المترجم ، ولا حرج عليه ، وتقرأ الحائض والنفساء المعنى المترجم ، ولا إثم في ذلك ، لأنه ليس قرآنا . ولذلك يقول الأكثرون من فقهاء المذهب الحنفي أن ما قرره أبو حنيفة إن هو إلا ترخص للذين لم تقوّم ألسنتهم تقويما عربيا سليما ، فسوغ لهم أن يقرءوا المعاني حتى تقوم ألسنتهم ، وعلى أنه دعاء لا على أنها قرآن ، ولم يعرف عنه قط أنه سوغ في غير الفاتحة .