محمد أبو زهرة
409
المعجزة الكبرى القرآن
فإن ذلك يكون مذموما ، لأنه تفسير بالرأي من غير إدراك لمعاني الألفاظ في عرف الإسلام ، وبغير مؤهلات ، واجتهاد في الفهم من غير التسلح بأدواته ، وحينئذ يكون الخطأ ، ويكون السقط . فهذان هما الموضعان اللذان يذم الرأي فيهما . وفي الحق أن هذا ليس تفسيرا بالرأي المجرد ، إنما هو من الهوى أو التهجم ، والتهجم على ما لا يحسن ، والعمل فيما لا يتقن ، وذلك قبيح في كل شئ . الظاهر والباطن 255 - يدعى بعض فرق الشيعة أن للقرآن ظاهرا وباطنا ، وأن الباطن له باطن حتى يصل العدد إلى سبعة بواطن ، وأن معرفة القرآن معرفة صحيحة كاملة لا تكون إلا بمعرفة هذه البواطن ، وليس علمها عند كل إنسان ، بل أوتى العلم بالبواطن كلها الإمام المعصوم ، والأصل أن علم هذه البواطن كلها كان عند النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وقد أودعها من بعده علي بن أبي طالب ، وعلى أودعها عند موته الإمام من بعده ، وهكذا توالت النفوس في أخذ هذه الوديعة إماما عن إمام حتى وصلت إلى الإمام المستور المغيب . وقد تولى القاضي عبد الجبار إدحاض ذلك الرأي ، وبين أنه لا أساس له من العقل ولا النقل ، فقال عن هذا الرأي ، حكى ذلك عن قوم من الأوائل ، لأنهم زعموا أنه ينطبع في النفس مثل المدركات ، فيعرفه المدرك ، على أن هذه الطبقة خارجة عن حد من يناظر ويتكلم ، لأنها تبنى على الحيل . وإنما تقع المناظرة من أهل الديانات ، دون من يجعل من يبتدئه ويعيده مبنيا على الخديعة والاستشكال ، والتوصل إلى استباحة المحذور ، ويرى أن المذاهب كلها واحدة ، وأن الواجب أن يظهر لكل فرقة ما يقرب به إليها ، ولا ينفر بالمخالفة إلى سائر ما يحكى عنهم ، ولو بنوا الأمر على طريقة النظر ما أقدموا على هذا القول مع وضوح فساده . ولكنهم توصلوا بذلك إلى الاحتيال على الناس ، فقالوا : إن القرآن له ظاهر وباطن ، وتنزيل وتأويل ، وإن الأثر قد ورد بأن تنزيله مفوض إلى النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، وتأويله إلى علي رضى اللّه عنه ثم إلى سائر الحجج ( أي الأئمة ) وأنه لا بد من معرفتهم ليصح أن يعرف مراد اللّه تعالى ، فجعلوا ذلك طريقا إلى القدح في الإسلام والدين ، لأنه مبنى على القرآن والسنة ، فإذا أخرجوا من القرآن ما يعرف به الشيء ، وكذلك السنة وجعلوهما ظاهرين ، وجعلوا المرجع إلى الباطن الذي لا يعلم إلا من جهة الحجة ( الإمام ) ولا حجة في هذا الزمان فقد سدوا باب معرفة الإسلام ، وطعنوا فيه ، فعظمت مضرتهم « 1 » .
--> ( 1 ) المغنى ج 16 ص 364 والذين يقولون لا فرق بين المذاهب والديانات بعض الصوفية الذين يدعون الوصول إلى الحقيقة ، ولعلهم من أصل باطني .