محمد أبو زهرة

403

المعجزة الكبرى القرآن

ولكن الكلام في القصص والكونيات ، وبعض ما يتعلق بالنبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم دخله الإسرائيليات ، وكثرت في كتب التفسير وتجاوزت الحد ، ورد بعض التابعين كثيرا من الإسرائيليات . بل إن بعض الصحابة نقل عن الإسرائيليين ، فإنه يروى أن عبد اللّه بن عمرو بن العاص أصاب في واقعة اليرموك حمل زاملتين من كتب أهل الكتاب « 1 » . ولا يمكن أن يكون كل ما في هذه الحمولة صحيحا عن أهل الكتاب الذين تمسكوا بالتوراة أو الإنجيل من بعدها ، ولا نعلم على وجه اليقين أكان ابن عمرو بن العاص لا يختار منها إلا ما يوافق الكتاب والسنة الصحيحة ، أم كان يتجاوزها إلى ما يناقضها ، أم يسير وراء ذلك . ولكن من المؤكد أن ما في الزاملتين لا بد أن تناقله التابعون ، وليسوا جميعا ممن يلتزمون ، ولا يسرفون فلا يمكن أن نقرر سلامة ما يأخذون . ولقد توقف العلماء في قبول الإسرائيليات التي راجت حول التفسير في قبولها ، وقد قسموها إلى ثلاثة أقسام : القسم الأول ما علم صدقه ، لأن القرآن يوافقه ، ولا تجافيه ألفاظه المحكمة ، أو لأنه صلى اللّه تعالى عليه وسلم نقل عنه بسند صحيح ما يوافقه ، وهذا بلا شك لا يكذب ، ولكن لا نجد فيه غناء عن السنة ، ولا نجده يسد حاجة وخللا لو لم يوجد لا تسد ، ولذلك نرى الأولى ألا يلتفت إليه ، لأن السنة والقرآن يغنيان ، وسدا للذريعة لا يعتمد عليه ، لأن قبول بعض المروى عن اليهود الذي لا زيف فيه ، يسهل قبول الزيف ، وهو الأكثر ، وهو الذي تعمدوا به أن يفسدوا علينا أمر ديننا ، وإذا كانوا لا يستطيعون تحريف القول فيه عن مواضعه ، فإنهم يجدون في التفسير طريقا لإفساد العقول حول معاني القرآن الكريم . القسم الثاني : ما ثبت كذبه بيقين ، وهو ما يناقض معاني القرآن الكريم ، ويخالف الصحيح المتواتر من السنة ، أو يخالف منطق الإسلام ، وإن هذا يرد بالاتفاق . وإن المستقرئ لكتب التفسير المشتملة على الإسرائيليات يرى أن أكثر ما دس فيها من هذا القبيل . القسم الثالث : الذي لا يأتي بما يخالف النصوص القرآنية ، ولا الأحاديث النبوية ، ولكنه في جملته أخبار تحتمل الصدق والكذب ، ويقول ابن تيمية في هذا القسم : لا نؤمن به ولا يمكن أن يكون فيه فائدة إسلامية ، ومن ذلك ما يذكرون حول أسماء أهل الكهف ، ولون كلبهم ، ومن ذلك أيضا وصف عصا موسى « 2 » .

--> ( 1 ) مقدمة التفسير لابن تيمية ص 62 طبعة دمشق سنة 1926 . ( 2 ) رسالة مقدمة التفسير المذكورة .