محمد أبو زهرة

4

المعجزة الكبرى القرآن

2 - ولكن ما إن قاربنا نوره ، حتى بهرنا ضياؤه ، واستغرق نفوسنا سناؤه ، وانتقلت نفوسنا إلى الاتجاه إليه قاصدين ذاته أصلا ، لا تبعا للسيرة ، ولو كانت سيرة من نزل عليه القرآن ، وخاطب في ظله الأجيال ، سيدنا الهادي رسول اللّه رب العالمين . وقد حاولنا أن نملأ نفوسنا من ينابيع الهداية فيه ، وأن نشفى أمراض قلوبنا بما فيه من دواء ، وأن نكشف الغمة بما فيه من حكم وعبر . لذلك صار القرآن وعلم القرآن ، وكل ما يتعلق به هدفا لنا مقصودا ، وأملا منشودا لا نبغي سواه ، ولا نطلب غيره . فكان لزاما علينا أن نخص كتاب اللّه ببحث ودراسة ، وأن نخرج من ذلك البحث كتابا نرجو أن يكون قيما في ذاته ، وإن كان لا يعلو إلى حيث يكون مناسبا لموضوعه ، فموضوعه أعلى من أن تناهده همتنا ، وأن تتسامى إليه عزيمتنا ؛ لأنه كتاب اللّه تعالى ، وأنى لضعيف مثلي أن يصل إلى وصفه أو التعريف به ، إنه فوق منال أعلى القوى إدراكا ، وأعظم النفوس إشراقا . ( أ ) وقد اتجهت ابتداء إلى بيان نزول القرآن منجما ، وحكمته مستمدا هذه الحكمة من نص القرآن ، وما أحاط بالتنزيل ووجوب حفظه في الصدور ، ثم بينت أنه كتب في حياة الرسول ، وأن النبي عليه السلام كان يملى الآية أو الآيات التي تنزل عليه على كتاب الوحي ، حتى إذا تم نزوله ، كانت كتابته قد تمت ، وقراءته بهذا الترتيب الذي نراه في الآيات والسور ، قد كملت ، وقد تكلمت من بعد ذلك في جمع المكتوب في عهد الصديقين أبى بكر وعمر رضى اللّه تعالى عنهما ، ثم في عهد ذي النورين عثمان رضى اللّه تعالى عنه . ( ب ) وقد اتجهت إلى الحق في وسط ما أثاره بعض العلماء من خلافات حول أحرف القرآن الكريم ، وقراءاته ونزوله ، وقد أسرف بعض العلماء على أنفسهم وعلى الحق ، فأثاروا أقوالا باطلة ما كان من المعقول إثارتها . حتى أن بعض المغرمين بالجمع ونقل الخلاف قالوا أمورا تخالف نص القرآن الكريم ، فيما ذكر من نزوله ، وتهافتت الأقوال حتى وجدنا الذين لا يرجون للإسلام وقارا يتعلقون بأقوال ذكرت لهؤلاء ، كقول بعضهم : إن هناك رأيا يقول : إن القرآن نزل على قلب النبي صلى اللّه عليه وسلم بالمعنى واللفظ للنبي ، ونسوا قوله تعالى معلما للنبي صلى اللّه عليه وسلم القراءة والنطق بها : لا تُحَرِّكْ بِهِ