محمد أبو زهرة

396

المعجزة الكبرى القرآن

وقد يقول قائل : إذا كان القرآن بينا ، وإنه لكذلك ، فما مكان التفسير في ذلك ، لأن التفسير لا يكون إلا عند حاجة للتبيين ، والقرآن الكريم ، كما تلونا من قبل كتاب مبين ، وقرآن مبين ، وبلسان عربى مبين ، وهل يستغنى عنه . ويبدو لي أن العربي الذي لم تلتو لغته برطانة غير عربية ، ويفهم العربية لا يحتاج إلى تفسير إلا فيما يتعلق بآيات التكليف العملي والأحكام العملية وما يستنبط من القرآن وإنها لتتفاوت في ذلك تفاوتا كبيرا . ومهما يكن فإن التفسير علم يدرس ، وهو مفيد ، وهو قائم منذ عهد التابعين إلى اليوم . وله بلا ريب فوائده ، وله غاية إن سلك المفسر الطريقة المثلى ، وإن جعل المفسر مرامى القرآن هي المقصودة ، ولا يتجه بكتاب اللّه إلى تحريف المعاني ، والانحراف عن المقاصد ، وإنه لا بد من التفسير لأمور كثيرة : ( أ ) العمل على ربط معاني القرآن بما ورد في السنة الصحيحة من بيانه ، وفي ذلك استعانة بالمبين للقرآن وهو الحديث ، ووضعه في مواضعه ، حتى لا تضل الأفهام في فهم معاني الأحكام ، ولأن بعض ألفاظه يشترك بين عدة مدلولات والسنة النبوية هي التي تحدد المدلول المراد . ( ب ) وإن الذين يقرءون القرآن لبسوا جميعا في مستوى العربي الذي يدرك معاني الألفاظ بمجرد استماعها ، ومن الألفاظ ما فيه بعض الغرابة حتى على بعض العرب ، بل بعض كبارهم ، ولقد روى أن عمر بن الخطاب ، وهو أمير المؤمنين لم يتبين عنده معنى لفظ « أبّا » في قوله تعالى : وَفاكِهَةً وَأَبًّا ( 31 ) [ عبس : 31 ] فقد سأل عن معنى الأب ، واستكثر رضى اللّه تعالى عنه على نفسه ألا يغيب عنه معنى لفظ من ألفاظ القرآن . هذا عمر رضى اللّه عنه يغيب عنه معنى لفظ من ألفاظ كتاب اللّه تعالى ، فكيف تكون حال من دونه من الصحابة علما ، وكيف تكون حالنا نحن الذين دخلنا العربية وفينا العجمة التي غلبت الفصحى في كل مكان . ( ج ) ولا بد من بعد ذلك من تفسير إلى اللغات غير العربية ، أو يفسر القرآن ابتداء بغير العربية على أنه تفسير فسره واحد ، أو اشترك فيه جماعة . ويكون المترجم هو التفسير الذي يذكر معنى القرآن على وجهة نظر المفسر ، لأن القرآن أعلى كلام بليغ في الوجود ، والكلام البليغ لا يمكن ترجمته من لغة إلى لغة محتفظا ببلاغته ، لأن البلاغة تتضمن إشارات بيانية ، ونغمات فيها موسيقى ، وحلاوة ألفاظ ، وتآخيها ، وجمال أسلوبه ، وتساوق معانيه ، ولا يتوافر لأحد من الناس أن ينقل كل الصفات