محمد أبو زهرة

394

المعجزة الكبرى القرآن

من الآيات الكريمات ، وأن بعض كتب التفسير التي تأخذ ذلك المأخذ ، وتتجه إلى الإكثار من القصص ، والأساطير الإسرائيلية تضع ستارا كثيفا بين الآية الكريمة ونورانيتها المشرقة ، فهو رحمه اللّه تعالى وجزاه عن العلم خيرا يريد أن يجد التالي للقرآن الإشراق والنور من غير حجب يحجبها من روايات ما أنزل اللّه بها من سلطان . وإن لذلك القول وجاهته ، وإنك بلا شك لو تتبعت أكثر آيات القرآن الكريم التي لم تتعرض للأحكام العملية ، تجدها واضحة بينة ، وإن استبهمت علينا بعض الكلمات لبقايا العجمة فينا ، فإن المعاجم تحل لنا إشكالنا ، وهو لعيب فينا وليس لإبهام في القرآن ينافي وصفه بأنه مبين ، وآياته بينات . وإذا كان ثمة موضع للتفسير ، فإنه يكون بتوجيه الأنظار لأسرار القرآن البيانية ، والمرتبة العليا البلاغية التي لا تناهد ، ولا تسامى ، وليس في قوة أحد من البشر أن يأتوا بمثلها . وإن الزمخشري حاول ذلك في تفسيره ، ووصل في كثير من الآيات إلى توجيه القارئ إلى الأسرار البلاغية ، ونهج من بعده من سلك ذلك المسلك ، وحاول محاولته . ونحن نرى أن هذه محاولات ناجحة في جملتها . وفي كثير من آيات الكتاب ، ولكنا لا نحسب أنهم وصلوا إلى الغاية أو أدركوا نهايته ، فإنه كتاب اللّه العزيز الحكيم ، لا تتناهى معانيه ، ولا يحاط بكل مغازيه ، وإن تلك المحاولات مفاتيح للنور ، ولكنها ليست النور . 244 - بعد هذه المقدمة التي لا بد أن نذكرها لنعرف مدى الجهود التي تبذل ، والغاية التي تغيا عند محاولة التفسير ، وإن كنا نؤمن بأن القرآن كتاب مبين ، لا يحتاج إلى بيان ، ولكنا نحتاج إن كان في قدرتنا إلى أن نتعرف أسرار بلاغته ، وموضع فصاحته ، ونقارب ، ولا نحد ، ونسدد وإن كنا لا ندرك ، ولا تصيب سهامنا ، ولا نصل إلى حال يكون معها يقين بأن ما وصلنا إليه هو سر الإعجاز ، وغاية البيان . وبجوار الذين قالوا : إن القرآن مبين بذاته لا يحتاج إلى من يبينه ، ويفسره ، كان من يرى أن القرآن يتعبد به ، ويتلى تلاوة ، ولا تتعرف معانيه إلا بتعريف من النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم . ولا شك أن ذلك القول غريب ، ولكن وجدناه في كتب المعتزلة ، وجدنا القاضي عبد الجبار يذكره في كتابه المغنى ، ويستدل على بطلانه فيقول : « الذي قدمناه الآن يدل على فساد قولهم » ، أي أننا لا نطلب دلالة القرآن ، لأنا قد بينا أنه يقع منه تعالى على