محمد أبو زهرة

39

المعجزة الكبرى القرآن

وقد اشتهر بإقراء الناس القرآن ، وتعريفهم أوجه قراءاته طائفة من الصحابة قد احتجزوا عن الخروج إلى ميادين الفتح ، ليعلموا الناس ويفقهوهم في دينهم ، ويقرءوهم القرآن الكريم . ومن هؤلاء عثمان بن عفان ، وعلي بن أبي طالب فارس الإسلام احتجز عن الجهاد بالسيف ، ليكون له جهاد العلم والقرآن ، وأبي بن كعب ، وزيد بن ثابت ، وعبد اللّه بن مسعود ، وأبو الدرداء . وعن هؤلاء أخذ كثيرون من الصحابة والتابعين وأقرءوهم القرآن بوجوه القراءات ، وكلها يتفق مع المكتوب عن النبي صلى اللّه عليه وسلم . ولما أخذ المقرءون للقرآن من الصحابة ينقرضون حمل التابعون ذلك العبء الكريم ، فقاموا بحقه ، ويظهر أن المقرئ كان يقرئ طالب القرآن القراءات كلها ، ويختار منها ما يطوع له لسانه ، من غير اعوجاج ، فكان الصحابة وكبار التابعين يقرءون بالأوجه كلها ولكن يختار المستحفظ ما يقوى عليه لسانه . وفي آخر عصر التابعين خلف من بعد قراء الصحابة والتابعين خلف طيب ، وجد التخصص في قراءة من القراءات أولى من حفظ جميعها ، فإنه إذا كان ذلك في طاقة الصحابة ومن داناهم من كبار التابعين ، فمن وراءهم دون ذلك ، إذ أخذت الطبيعة العربية تضعف عن حمل العبء كاملا ، فعنى من أفاضل القراء من صغار التابعين ، وتابعي التابعين برواية كل واحد منهم قراءة واحدة ليسهل عليه نطقها ، ورووها متواترة فكانت الرحال تشد إليهم يتلقون عنهم ، ويأخذون بما يقرئه كل واحد . واشتهر من هؤلاء الذين خلفوا عهد الحفاظ من الصحابة الذين كانوا يقرءون الناس من صحابة وتابعين - اشتهر سبعة كانوا من بعد أئمة القراء . وهم عبد اللّه بن عامر المتوفى سنة 118 ه ، وعبد اللّه بن كثير المتوفى سنة 120 ه ، وعاصم بن مهدلة الأسدي المتوفى سنة 128 ه ، وأبو عمرو بن العلاء شيخ الرواة المتوفى سنة 154 ه ، وحمزة بن حبيب الزيات العجلي المتوفى سنة 156 ه ، ونافع بن نعيم المتوفى سنة 169 ه ، وعلي بن حمزة الكسائي إمام الكوفيين المتوفى سنة 159 ه ، وقراءات هؤلاء السبعة هي المتفق عليها التي نالت الإجماع ، ولكل واحدة منها سندها المتصل المتواتر ، وطريقه وهو محفوظ في علم القراءات ، وأجمع المسلمون على التواتر فيها . وقد ألحق علماء القراءات وأهل الخبرة فيها ثلاثة غيرهم صحت قراءاتهم ، وثبت تواترها وهم أبو جعفر يزيد بن القعقاع المتوفى سنة 132 ه ويعقوب بن إسحاق الحضري المتوفى سنة 185 ه وخلف بن هشام . وقراءات هؤلاء بإضافتها إلى القراءات السبع تكون عشرة كاملة .